اتّبع عبد القاهر الجرجاني (ت471هـ) منهجًا فنيًا في البحث البلاغي يختلف عن مناهج من سبقوه في علوم البلاغة، كالمنهج التجميعي والمنهج الانطباعي والمنهج التقنيني وغيرها؛ المنهج التجميعي الذي يقوم على تجميع المادة البلاغية وترتيبها على نحو معين، ولكن هذا التجميع يخلو من الدراسة والتحليل العميق، وذلك مثل ما فعله عبد الله بن المعتز (ت296هـ) في كتابه «البديع» من حيث تجميع الأمثلة المختلفة لصور البلاغة تحت ما يناسبها من الفنون البلاغية. أما المنهج الانطباعي فهو يقوم على إصدار الأحكام الانطباعية العاطفية التي تبتعد عن الموضوعية والعلمية، مثل ما فعله الجاحظ (ت 255هـ)، الذي كان يُصدر أحكامًا انطباعية في كتبه، ولا يذكر سبب هذه الأحكام، فهو مثلًا يستحسن صورة بلاغية أو تركيب بلاغي معين، ويصدر حكمه باستحسان هذه الصورة أو هذا التركيب، دون أن يعلِّلَ سبب استحسانه لها. أما المنهج التقنيني فهو يهتم بالقواعد البلاغية، ويُغفل التذوق الأدبي والتحليل الفني، وقد تحولت البلاغة في مجال هذا المنهج إلى قواعد وتعريفات جامدة، فضعفت الذائقة الأدبية واختفى التحليل الفني في البلاغة، وقد تأثر هذا المنهج بالمنطق الأرسطي كما يقولون، من حيث تحمُّس أصحاب هذا المنهج للتعريفات الجامعة، والتقسيمات والتشعبات الكثيرة للمبحث الواحد، هذه التشعبات التي تقوم على التقسيم العقلي المنطقي، وأقحم أصحاب هذا المنهج مباحث المنطق في البحث البلاغي، كما في كتاب «نقد الشعر» لقدامة بن جعفر (ت 337هـ)، ونجده أيضًا بعد ذلك في كتاب «مفتاح العلوم» للسكّاكي (ت 626هـ)، حيث يتحول الدرس البلاغي من خلال هذا المنهج إلى منطق عقلي استدلالي لا نبض فيه ولا روح، وذلك يُفقد الدرس البلاغي الذوق الأدبي الرفيع، والتحليل الفني.
أما منهج عبد القاهر الجرجاني فهو يجمع بين القاعدة العلمية والذوق الفني، ويمزج بين النظرية والتطبيق في الدراسة البلاغية، أي أن منهجه منهج تحليلي فنيّ، وبلغ هذا المنهج ذروته في كتابي عبد القاهر الجرجاني الشهيرين: «دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة»، وإن سُبق عبد القاهر إلى استخدام المنهج التحليلي الفني من قبل بعض البلاغيين كالباقلاني (ت 403هـ) في إعجاز القرآن وغيره، إلا أن تحليلاتهم البلاغية كانت تفتقر إلى العمق العلمي الذي نجده في تحليلات عبد القاهر، فعبد القاهر ينطلق في الدرس البلاغي من مقولة مشهورة اليوم وهي أن النص الأدبي بناء لغوي بالدرجة الأولى وعلينا أن ننشد أسرار جماله في تحليل بنائه اللغوي الذي يرجع إليه وحده ما في النص الأدبي من جمال وروعة، أو من فشل وإخلال. وهذه المقولة هي ما عُرف عند عبد القاهر لاحقًا باسم «نظرية النظم» التي صبَّ عبد القاهر معظم جهده -خاصة في كتابه دلائل الإعجاز- لتأسيسها وبلورتها، ثم لاحقًا اتخذها كمنطلق في تحليلاته البلاغية.
أتى عبد القاهر بمثال ليكشف عن نظريته الجديدة «نظرية النظم»، حيث قام بتحليل قوله تعالى في سورة هود: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)}، حيث قام بدراسة مقاطعها وكلماتها دراسة فنية بلاغية، وقام بتحليلها تحليلًا فنيًا يشتمل على ذوق أدبي بارع. ثم قال إن «الألفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلمة مفردة وأن الألفاظ تثبت لها الفضيلة، وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى اللفظة التي تليها، وربما ترى الكلمة تروقك في موضع، ثم تراها بعينها تثقل عليك في موضع آخر».
وأورد عبد القاهر أمثلة وتطبيقات كثيرة في دلائل الإعجاز، منها مثال أورده لبيان جمال الاستعارة في قول الشاعر:
ولما قَضَينَا من مِنَى كل حاجة
ومسَّحَ بالأركانِ من هو ماسحُ
وشُدَّتْ على حُدبِ المهارى رحالُنا
ولم ينظر الغادي الذي هو رائحُ
أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا
وسالتْ بأعناقِ المطيّ الأباطحُ
فهو يرى أن الاستعارة هنا نوع نادر لا تجده إلا في كلام الفحول حيث أراد الشاعر أنها سارت سيرًا حثيثًا في غاية السرعة، وهي سرعة في لين وسلامة كأنها كانت سيولًا وقعت في تلك الأباطح فجرت بها، وهو يقول إن سر هذه الروعة يرجع إلى النظم البارع، والتأليف الدقيق.
ويورد الجرجاني أمثلة أخرى في كتابه «أسرار البلاغة»، ويحللها تحليلًا فنيًا، فهو يورد قوله تعالى من سورة الجمعة:{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا}. ويقول عنه أن التشبيه فيه منتزع من عدة أمور امتزجت وصارت شيئًا واحدًا، فهو منتزع من أحوال الحمار، وهو أنه يحمل الأسفار التي هي أوعية العلوم، ولا يحس بمضمونها ولا يفرق بينها وبين بقية الأحمال التي ليست من العلم، فليس له مما يحمل سوى أنه يُنقل عليه ويُحمل.
لقد جدد عبد القاهر الجرجاني مباحث الدرس البلاغي، واكتمل ونضج بفضل جهوده من خلال «نظرية النظم»، حتى أن من جاء بعده لم يستطع أن يضيف شيئًا ذا بال عدا بعض مباحث الزمخشري، وبقي البحث البلاغي بعده يراوح محله، حتى وصل لمرحلة الجمود والتعقيد في عصر السكّاكي ومن بعده، وتحول البحث البلاغي إلى علم تقنيني جامد وشروحات.
أما أبو القاسم الزمخشري (ت 538هـ) فلقد سار إلى حد كبير على منهج عبد القاهر في تحليلاته العقلية والذوقية وتطبيقاته البلاغية، واستوعب ما كتبه عبد القاهر الجرجاني في «دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة»، واهتم بنظرية النظم، وكتابه في التفسير «الكشّاف» يعتبر تطبيقًا لما ذكره عبد القاهر في كتبه من قواعد المعاني والبيان والبلاغة، وكانت آيات القرآن الكريم أمثلة للقواعد البلاغية التي ذكرها عبد القاهر وأوردها من بعده الزمخشري في كتابه «الكشّاف».
وتطرّق الزمخشري لقضية اللفظ والمعنى، ومفهوم المعنى عند الزمخشري أن المعنى لغة هو المدلول، أي أن معنى العبارة مدلولها، وكان الزمخشري من أنصار المعنى على اللفظ، وكان اهتمامه باللفظ قليلًا، فهو يحلّل الآيات إلى ألفاظها ويضع لكل لفظ المعاني المناسبة له عنده، ثم يذكر السياق بشكل كامل، أي أنه تعدّى ما يُسمَّى معنى اللفظ إلى معنى السياق كاملًا. وكان الزمخشري يتجاهل المعنى اللغوي للفظ إلى المعنى المتولِّد منه دون الإشارة لذلك التجاوز.
ومما يذكر للزمخشري أنه لا يشرح اللفظ ويفسره منفردًا، بل يشرحه مع التركيب الذي هو فيه، وهذا هو ما ذهب إليه عبد القاهر الجرجاني في ثنائية اللفظ والمعنى، من كون المعنى هو الأصل وأن الألفاظ هي طريق للوصول للمعاني فقط، وما تمخضّ عن ذلك من «نظرية النظم».
وطبّق الزمخشري نظرية النظم على كثير من الأمثلة مبينًا بها علاقة النظم بالكلمة والتركيب، ومن هذه الأمثلة قوله تعالى في سورة الصافات: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)}، وشرح هذه الآيات مستشهدًا ببيت شعري يقول:
يا لهفَ زيَّابةَ للحارِثِ
الصّابحِ فالغانمِ فالآيبِ
ويعود لتفسير الآية فيقول إن المسألة تتعلق بدلالة حرف الفاء في تراكيب الجمل في الآية، وهي إما أن تدل على ترتيب معانيها في الوجود، كما في البيت الشعري، أي كأن المعنى: الذي (صبح فغنم فآب)، أو أنها تدل على الترتيب في التفاوت، أو تدل على الترتيب في الموضوعات، وبعده يترك الزمخشري المسألة للقارئ مفتوحة لفهمه ووعيه، فإن افترض توحّد الموصوفات فدلالة الفاء ترتيب هذه الصفات في تفاضلها، وإن افترض اختلاف الموصوفات فالصفات مختلفة.
وكما قلنا بأن الزمخشري قد تجاوز معنى اللفظ إلى معنى التركيب والسياق، فدرس وتناول التراكيب ودلالاتها ضمن السياقات المختلفة، واستشهد بالآية من سورة البقرة: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (8)}، ويعلق عليها: «فإن قلت كيف طابق قوله: {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} قولهم: {آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ}، فإن القول الأول في شأن الفعل لا الفاعل، أما الثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل، قلت: القصد إلى إنكار ما أدّعوه ونفيه، فسلك طريقًا في سبيل ذلك أدى للغرض المطلوب، وفيه توكيد ومبالغة ما ليس في غيره وهو إخراج أنفسهم من أن تكون طائفة من طوائف المؤمنين لما علم من حالهم التي تنافي لحال الداخلين في الإيمان».
ومن العلاقة بين الجملة والسياق عنده، تناوله للتقديم والتأخير في ضوء تطبيقه لنظرية النظم، فقد جعل التقديم والتأخير لأغراض متباينة في الأهمية أو العناية أو التوكيد أو مراعاة المقام أو السياق، كما يرى الزمخشري أن التقديم والتأخير لا يحمل معه دائمًا معنىً جديدًا.
كما تحدّث الزمخشري عن الحذف أيضًا في ضوء تطبيقاته لنظرية النظم في تفسيره ومن خلال شرحه للجملة في السياق، وقام بتبيين مواضع الحذف في الآيات القرآنية، وكان يوضح موضعه ويقدّره للإفهام، وعلَّلَ هذا الحذف بحجج عقلية، وقال بأن الحذف لا يُخلُّ بالمعنى ولا يُقلِّلُ من البلاغة في موضعه.
وتحدث عن الفصل والوصل خلال شرحه للجملة في السياق، ومثّل للفصل والفصل عندما قام بشرح قوله تعالى في سورة المدَّثِّر: {فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25)}، ويضيف: «فإن قال سائل: لماذا لم يضع حرف العطف بين الجملتين؟ أقول: لأن الجملة الثانية جرت من الجملة الأولى مجرى التوكيد من المؤكد»؛ وهو هنا يكشف سر ترابط الجملة الثانية مع الأولى وصلتها بها، فهو يربط تفسيره لآيات القرآن الكريم بالنظم.
ومنتهى الحديث أن الزمخشري في كتابه «الكشّاف» كان متممًا لجهود عبد القاهر الجرجاني في الدراسات البلاغية، فقد كان متأثرًا به وبكتابيه «دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة»، وقد ازدهرت ونمت البلاغة على يد عبد القاهر الجرجاني وتمّت مرحلة الازدهار عند الزمخشري، فالاثنان يعتبران مرحلة النمو والازدهار للبلاغة العربية، قبل أن تنحدر وتصل لمرحلة التعقيد والجمود والشروح التي لا تُضيف جديدًا من بعدهما.
** **
د.ساير الشمري - دكتوراه في الأدب والنقد والبلاغة
@Drsayer_