في مرحلةٍ من مراحل الحياة، تعاملنا مع «الكمالية» كمنهجٍ ومطلبٍ نسعى لأجله على الدوام. وأعني بالكمالية هنا: رفع المعايير والدقة والأهداف على نحوٍ كمالي، غير قابلٍ للنقص أو الخطأ، في جميع مناحي الحياة. ومن أمثلة ذلك ما يلي:
الكمالية في العلاقات الإنسانية
كالعلاقة مع الأصدقاء والأهل والأقارب والزملاء والمعارف عموماً؛ حيث نطلب الكمال ممن تربطنا بهم علاقة ولا نرضى بغيره، وهذا يؤدي إلى «التكلُّف» الذي قد يتسبب في فشل العلاقات. لذا، فلنقبل ما تيسّر من الناس بعفويتهم وطبيعتهم وسماتهم التي جُبِلوا عليها، وألا نُرهقهم بما لا يطيقون.
الكمالية في الأهداف
بمعنى وضع هدفٍ قد يفوق قدراتنا وإمكاناتنا وظروفنا في بعض الأحيان، وفرضه على الذات قسراً؛ فإن لم يتحقق بالشكل المطلوب تماماً كما أردنا، حكمنا على أنفسنا وحياتنا بالفشل. بينما لو حققنا 70 % من الهدف لكان ذلك كافياً، ويُعدُّ إنجازاً لا يُستهان به.
الكمالية في بيئة العمل
أي توقع بيئة عمل رائعة خالية من العيوب والنقص، ورفع المعايير بافتراض أن العمل يجب أن يكون جيداً في كل شيء: من ناحية المهام، الإدارة، الزملاء، الراتب، الوقت، المكان، والتطلعات والآمال غير الواقعية. هذه المعايير لا تجعلنا نتقدم خطوة واحدة، والأفضل هو الرضا بما يُتاح، والتركيز على التعلم واكتساب الخبرة والتدرج مهنياً.
الكمالية في المشاعر والأحاسيس
بمعنى توقع الفرح والسعادة والظروف الجيدة في كل وقت، ورفع المعايير في الحياة، وعدم تقبل مشاعر الحزن واليأس والضيق التي قد تنتاب الإنسان في أي لحظة. فالحياة بطبعها بين شدٍ وجذب، وإقبالٍ وإدبار، ودوام الحال من المحال؛ فلنقبل بالحياة كما هي ولنرضَ باليسير منها.
يُروى عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال: «والله إني لا أُبالي على أي حالٍ أصبحت؛ أكان على ما أُحب أو على ما أكره». فقال له الحاضرون: ولماذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: «لأني لا أعلم أالخيرُ فيما أُحب أم الخيرُ فيما أكره».
ختاماً:
لنتعاهد ألا نقسو على أنفسنا مجدداً، وألا نقيّدها بالكثير من المعايير التي قد تُودي بها إلى جحيم الكمالية.
** **
- فيصل مطلق المقاطي