في زمن مضى، كان أصحاب الموهبة الأدبية يتقاسمون مساحات التشجيع والتحفيز، ويعمل كلٌّ منهم على إبراز نتاج الآخر بروح أقرب إلى الشراكة منها إلى المنافسة. كانت الغيرة -إن وُجدت- خافتة مستترة، تُدار بحكمة وضبط نفس، فلا تطفو على السطح ولا تُفسد للود قضية. وكان الوسط الثقافي محدود الدائرة، يجمعه نسب الأدب، وتقرّبه المحبة، فتسهل سبل التواصل والاتصال.
ومع القفزات الثقافية المتسارعة، نشأت كيانات وتنظيمات تُيسّر هذا الحراك، وتمنحه أطراً أكثر احترافية، وبرز دور الجمعيات الثقافية التي حظيت بدعم ملحوظ، وأسهمت في تنشيط المشهد وتعزيز حضوره.
غير أن هذا الاتساع لم يَخْلُ من تحديات؛ إذ قد ينحرف مسار التصويت أحيانًا عن معاييره الموضوعية، فيتجه إلى الاعتبارات الشخصية لا إلى جودة المنتج، وإلى قوة العلاقة لا إلى قيمة المنجز. وهنا يتراجع المعيار الإبداعي لحساب الألفة أو النفوذ، فيفقد التنافس شيئًا من عدالته، ويحتاج المشهد إلى مراجعة تُعيد الاعتبار للكفاءة بوصفها المقياس الأصدق والأبقى.
وحين يُختلّ الميزان، لا يخسر المبدع وحده، بل يخسر المشهد بأكمله؛ إذ تتراجع الثقة، ويبهت الحافز، ويشعر صاحب الجهد الحقيقي أن معركته ليست مع النص، بل مع دوائر مغلقة لا تُفتح إلا بالمجاملات.
إن العدالة الثقافية لا تعني إلغاء العلاقات، ولا التنكّر لفضائل التعارف والتآلف، فالثقافة في جوهرها شبكة إنسانية قبل أن تكون نشاطًا مؤسسيًا. لكنها تعني أن يبقى المنتج هو الأساس، وأن تُوزن الأعمال بميزان الجودة والابتكار، لا بميزان القرب والبعد. فالموهبة التي لا تجد إنصافًا تذبل، والجهد الذي لا يُقدَّر ينكمش، والبيئة التي تُكافئ الاسم قبل النص تُضعف مستقبلها بيدها.
إن الجمعيات والهيئات الثقافية -بما تملكه من أدوات تنظيمية ولجان تقييم- قادرة على ترسيخ معايير شفافة، تُعلن آلياتها، وتُوضّح أسسها، وتُحيّد الأهواء ما استطاعت. فالمشهد لا يزدهر إلا حين يشعر الجميع أن الفرص متكافئة، وأن المنصة تتسع للكفاءة أياً كان صاحبها.
ولعل المرحلة الراهنة، بما تحمله من وعيٍ أكبر وانفتاحٍ أوسع، تتيح مراجعة هادئة تُعيد الاعتبار لقيمة العمل، وتمنح التصويت معناه الحقيقي: اختيار الأجود، لا الأقرب. عندها فقط يعود التنافس إلى صورته النبيلة، ويصبح الاختلاف إثراءً، وتظل الغيرة -إن حضرت- وقودًا للإبداع لا معولًا للهدم.
وعندها يتحوّل التصويت من كونه أداة حسمٍ عابرة، إلى شهادةٍ أخلاقية تُعبّر عن وعي المجتمع الثقافي بذاته. فالمشهد الذي ينضج هو ذاك الذي يُحسن نقد نفسه، ويجرؤ على الاعتراف بأخطائه، ويُصلح مساراته دون خصومة أو تشهير.
إن الإبداع لا يعيش في بيئةٍ مضطربة المعايير، ولا يترعرع في ظل ضبابية تُربك المفاهيم. هو يحتاج إلى وضوحٍ في الرؤية، وعدالةٍ في الفرص، وجرأةٍ في التقييم. وحين تتقدّم القيم على العلاقات، ويعلو النص على الاسم، يصبح الحراك الثقافي أكثر رسوخًا وأبقى أثرًا.
ولعل أجمل ما يمكن أن يُقال في هذا السياق: إن الثقافة ليست ساحة سباقٍ تُحسم بالتصفيق، بل رسالة تُحفظ بالإنصاف. فإذا اتفقنا على أن الجودة هي المعيار، وأن النزاهة هي الطريق، فإن كل منجزٍ حقيقي سيجد مكانه، وكل موهبةٍ صادقة ستأخذ حقها، ولو بعد حين.
هكذا فقط يبقى الأدب نسبًا جامعًا لا سببًا للفرقة، ويبقى التنافس شريفًا لا مشوبًا، ويبقى المشهد الثقافي بيتًا يتسع للجميع، تحكمه الكفاءة، ويصونه الوعي، وتظل فيه الموهبة هي الصوت الأعلى، والأصدق، والأبقى.
ولكي يتحقق ذلك واقعًا لا أمنية، لا بد من ترسيخ ثقافةٍ مؤسسية تتجاوز الأفراد، وتبني أنظمةً واضحة تحكم العمل الثقافي. فحين تُعلن معايير التقييم، وتُفصَّل درجات المفاضلة، وتُحاط اللجان بشفافيةٍ تضمن استقلالها، يقلّ تأثير المزاج، وتضيق مساحة المجاملة، ويعلو صوت العمل ذاته.
كما أن من المهم أن يتعلم المبدع قبول النتائج بروحٍ ناضجة؛ فليس كل عدم فوزٍ ظلمًا، ولا كل خسارةٍ إقصاءً. النقد جزء من المسيرة، والتفاوت سنة من سنن الإبداع. لكن الفارق الجوهري أن يكون التفاوت مبنيًا على معايير واضحة، لا على حساباتٍ خفية.
وإذا كانت المرحلة القديمة قد اتسمت ببساطة العلاقات وضيق الدائرة، فإن المرحلة الراهنة تفرض وعيًا أوسع، ومسؤوليةً أكبر. فالتأثير لم يعد محصورًا في مجلسٍ أو أمسية، بل يمتد عبر المنصات، ويتشكّل أمام جمهورٍ متعدد المشارب. وهذا الاتساع يقتضي مضاعفة الحرص على النزاهة، لأن الخطأ حين يقع لا يبقى محدودًا، بل يتكرر ويتكاثر.
إن الثقافة في جوهرها مشروع أخلاقي قبل أن تكون نشاطًا احتفاليًا. وكل تصويتٍ لا ينحاز إلى الجدارة يترك أثرًا خفيًا في نفوس المبدعين، قد لا يُرى فورًا، لكنه يتراكم حتى يصنع فجوةً بين الطموح والواقع. أما حين يُنصف الجهد، وتُكرّم الجودة، فإننا لا ن حتفي بعملٍ فحسب، بل نُرسّخ قيمةً، ونبني ثقةً، ونُمهّد لمشهدٍ أكثر إشراقًا.
ويبقى الأمل معقودًا على وعيٍ يتنامى، وأصواتٍ صادقة تُذكّر دائمًا بأن الأدب لا يُقاس بكثرة المصفقين، بل بعمق الأثر، وأن المكانة الحقيقية لا تُمنح بالعلاقات، بل تُكتسب بالعمل، وتثبت بالاستمرار
وحين نُعيد الاعتبار لهذه القيم، فإننا لا نُصلح إجراءً إداريًا فحسب، بل نُرمّم وجدانًا ثقافيًا بأكمله. فالثقة إذا ترسّخت صنعت بيئةً آمنة يغامر فيها المبدع بفكرته، ويجتهد في نصّه، ويكتب وهو مطمئن أن ميزان التقييم لا يميل إلا لما يستحق.
إن المشهد الثقافي لا يُبنى بالضجيج، ولا ينهض بكثرة الفعاليات وحدها، بل يقوم على جودة ما يُنتج، وصدق ما يُمنح، وعدالة ما يُحسم. وكل خطوةٍ نحو النزاهة هي استثمار في مستقبل الإبداع، وكل معيارٍ واضح هو رسالة احترامٍ للمواهب الشابة قبل المخضرمة.
وربما كان من الواجب أن نُفرّق بين “الحضور” و“الأثر”؛ فالحضور قد تصنعه العلاقات، لكن الأثر لا يصنعه إلا العمل المتقن. والحضور مؤقت، أما الأثر فباقٍ. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس على كسب جولة تصويت، بل على ترسيخ قيمة تُبقي المشهد حيًا ومتجددًا.
وفي النهاية، سيظل الأدب أكبر من كل حسابٍ ضيق، وأبقى من كل اصطفافٍ عابر. وسيبقى النص الجيد قادرًا على شق طريقه، ولو تأخر ظهوره، لأن الجودة لها سطوعها الخاص، وإن حُجبت حينًا. المهم أن نحفظ للميزان اعتداله، وللموهبة حقها، وللثقافة مقامها؛ حتى يبقى الحراك الثقافي مساحةً رحبة، يتنافس فيها الجميع بشرف، ويتقدم فيها الأجود بإنصاف.
** **
- عبدالله سليمان السحيمي
@Alsuhaymi37