الثقافية - أحمد الجروان:
ارتبط الدكتور فهد السليَّم بطلب العلم الشرعي منذ وقت مبكر، حيث بدأ مسيرته بحفظ كتاب الله كاملًا فحصل على الإجازة والسند المتصل، ثم واصل دراسته في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حتى نال الماجستير والدكتوراه في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة وتولى عمادة الكلية بعد مسيرة في التدريس والدعوة، وامتد نشاطه الدعوي عبر المنابر والمساجد والقنوات والإذاعات، إضافة إلى مشاركات خارجية في برامج الإمامة والدعوة في عدد من الدول. في هذا الحوار نتوقف معه عند محطات رحلته العلمية ورؤيته لواقع الدعوة اليوم، تستضيفه «الجزيرة الثقافية» في هذا العدد من أجل الحديث عن عدد من المحاور التي تتصل بالخطاب الشرعي، وطلب العلم في ظل التحولات الاجتماعية.
-كيف بدأت رحلتك في طلب العلم والدعوة، وماهي اللحظة التي شعرت فيها أنها رسالتك في الحياة؟
أشكر الله سبحانه وتعالى على ما يسر من هذا اللقاء ثم أشكركم على جهودكم المباركة وعلى هذه الاستضافة.
بدأت رحلتي في طلب العلم بحفظ كتاب الله سبحانه وتعالى كاملا -ولله الحمد- حيث كان والدي -رحمه الله- من أهل القرآن الحريصين على تلاوته وحفظه- ثم حصلت على إجازة وسند متصل إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ وعينت إماما وخطيبا و التحقت بكلية أصول الدين والدعوة ودرست في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة وتخرجت من هذا القسم المبارك ثم واصلت دراسة الماجستير في نفس الجامعة والكلية والقسم، وكان عنوان رسالة الماجستير (جهود علماء نجد في بيان نواقض الإسلام في القرن الثالث عشر) وبعد حصولي على الماجستير بتقدير ممتاز -ولله الحمد- واصلت دراسة الدكتوراه في نفس الجامعة و الكلية والقسم وكان عنوان رسالة الدكتوراه (جهود أئمة آل سعود وملوكهم في نشر العقيدة السلفية والدفاع عنها من عهد الإمام محمد بن سعود إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز -رحمهم الله-) وبعدها عُيّنت عميدا لكلية أصول الدين؛ ومنذ تخرجي من الكلية وتعييني معيدا وأنا أتشرف بتدريسي طلاب جامعة الأمام محمد بن سعود الإسلامية وإلى اليوم -ولله الحمد والمنة-؛ ولم أكتف بالدراسة الجامعية بل حرصت على حضور الدروس العلمية في المساجد فلازمت دروس سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبدالله بن باز -رحمه الله-، وسماحة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ والشيخ عبدالله بن غديان ومعالي الشيخ صالح آل الشيخ، ودرست على يدي علماء في الرياض منهم أصحاب الفضيلة المشايخ: عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين والشيخ عبدالله بن قعود والشيخ عبد الرحمن البراك والشيخ عبد العزيز الراجحي وغيرهم -ولله الحمد والفضل والمنة-؛ وحرصت أيضا مع طلب العلم على العمل به والدعوة والتدريس والخطابة في المساجد التي كنت إماما لها، ومنها المسجد الواقع بقصر الأمير متعب بن عبدالعزيز -رحمه الله- وفي غيرها، ومن خلال بعض القنوات الفضائية والإذاعية ومن خلال المشاركة مع وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة في توجيه الحجاج وإرشادهم ودعوتهم، وإلقاء المحاضرات والندوات في جوامع الرياض وجامع قباء في المدينة النبوية وفي برنامج الإمامة والدعوة في شهر رمضان في كل من : إسبانيا وأمريكا وكندا ودول أخرى زرتها لأعمال دعوية وعلمية.
وأما عن اللحظة التي شعرت أن الدعوة رسالتي في الحياة، فكانت منذ دخولي والتحاقي بكلية أصول الدين فحرصت على طلب العلم أولا ثم العمل به ثم الدعوة وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعا ومن نحب من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر. اللهم آمين.
-كيف تصف تجربتك في الإمامة، وما هي أبرز المحطات التي أثرت فيك خلال تلك الفترة؟
كانت تجربة رائعة ومفيدة جدا حيث كنت أكثر من الجلوس مع صاحب السمو الملكي الوالد الأمير المربي متعب بن عبد العزيز -رحمه الله- وجمعنا به ووالدينا ومن نحب جميعا في جنات الفردوس، وكنت أسافر وأحج معه فاستفدت كثيرا من مجالسه- رحمه الله- التي كانت جامعة مفيدة دينيا وتاريخيا وسياسيا وتربويا وثقافيا فتأثرت جدا بهذه المجالس المفيدة الخيرة، وكان كثيرا ما يحدثنا عن جلالة الملك عبدالعزيز وأبنائه الملوك -رحمهم الله- مما حفزني لتسجيل رسالة الدكتوراه حول سيرهم العطرة وعنايتهم بالعقيدة السلفية وحرصهم عليها ودفاعهم عنها، وفكانت تجربة ثرية ومليئة بالدروس المفيدة والتي استفدت منها في حياتي ولله الحمد والمنة.
-ما هو الدور الذي يجب أن يتولاه الإمام والداعية في الوقت الحالي داخل المجتمع؟
الدور اليوم للإمام والداعية يجب أن يتجاوز حدود المنبر، فالإمام والداعية مطالبان بأن يكونا قريبين من الناس عموما والجيران خصوصا، واعين بقضاياهم، مساهمين في نشر العلم النافع وتعزيز القيم النبيلة، وترسيخ الوسطية، ومعالجة المشكلات الاجتماعية بلغة حكيمة تجمع ولا تفرّق.
-برأيك، كيف تختلف مسؤوليات الإمام اليوم عن الماضي؟
في الماضي كان الوصول للمعلومة محدودًا، أما اليوم فالناس تتلقى أفكارًا متعددة من مصادر مختلفة، بعضها غير موثوق. لذلك أصبح الإمام اليوم مطالبًا بالتصحيح والتوضيح، وبناء الوعي، والتعامل مع تساؤلات جديدة ومعقّدة لم تكن مطروحة سابقًا.
-كيف ترى موقع الخطاب الديني في ظل التحولات الحالية؟ وما المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة تقديم للجمهور؟
الخطاب الديني اليوم في حاجة إلى تجديد في الأسلوب لا في الثوابت، وإلى لغة أقرب للفهم والواقع، ومن المفاهيم التي تحتاج إعادة تقديم: مفهوم الوسطية، وفقه الاختلاف، والربط بين العبادة والأخلاق والسلوك اليومي.
وأيضا من المفاهيم التي تحتاج إلى بيان وتوضيح للجمهور: حقوق الصحابة -رضي الله عنهم- وحقوق ولاة الأمر وحقوق العلماء ومنهجهم في الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي مفاهيم مهمة حصل فيها خلط في عصرنا الحاضر، فيجب طرقها وتعليمها للناس على ضوء الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح.
-ماذا ينقص الخطاب الديني ليصل إلى الشباب اليوم؟ وما النصيحة التي توجهها لمن يبحث عن التوازن بين الدين والحياة اليومية؟
ما ينقص الخطاب الديني اليوم هو مخاطبة الشباب بلغة يفهمونها، والاقتراب من اهتماماتهم دون تعالٍ أو تشدد.
ونصيحتي للشباب أن يدركوا أن الدين ليس عبئًا على الحياة، بل هو منظّم لها، وأن التوازن يتحقق بالفهم الصحيح والوسطية لا بالإفراط ولا التفريط. فدين الإسلام هو دين الوسطية؛ ومنهج أهل السنة والجماعة-السلفيين- هو المنهج الوسط قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا).
-كيف ترى تأثير منصات التواصل الاجتماعي على الوعي الديني؟ وهل أصبحت منافسًا للمنبر أم مكملًا له؟ وهل منابر التواصل الاجتماعي محل ثقة للأخذ بالفتوى؟
منصات التواصل الاجتماعي سلاح ذو حدين، يمكن أن تكون مكملة للمنبر إذا أخذنا عن المعروفين بالعلم والعقل والجد وتابعناهم؛ واستفدنا منهم؛ وإذا استُخدمت هذا الوسائل بوعي، لكنها لا تغني عن المنبر وعن كتب أهل العلم.
أما الفتوى، فلا يُؤخذ بها إلا من أهل العلم المعروفين بعلمهم وأمانتهم وتقواهم، سواء ظهروا في المنبر أو في المنصات الرقمية.
-كيف تختار موضوعات خطب الجمعة، وما المعايير التي تراعيها عند إعداد رسالة أسبوعية مؤثرة؟
كنت أحرص عند اختيار الموضوع على الموضوع الذي فيه ملامسة واقع الناس وما ينفعهم ويحتاجونه، وربطه بالنصوص الشرعية، مع الحرص على وضوح الفكرة وبساطة الطرح، والتركيز على الرسائل العملية التي يمكن تطبيقها في الحياة اليومية مع البعد عما لا يحتاجه الناس ولا ينفعهم ويشوش أفكارهم ..
-ما أبرز التحديات التي تواجه الداعية اليوم، وكيف يتعامل مع النقد أو الاختلافات الفكرية؟
من أبرز التحديات اليوم سرعة انتشار الأفكار المغلوطة، وتعدد المرجعيات والتعامل مع النقد يكون بسعة صدر، ورجوع إلى الدليل وإلى أهل العلم الموثوقين؛ وحكمة، واحترام للاختلاف، مع الثبات على الحق دون صدام أو تشنج.
-ما المشاريع أو المبادرات التي تعمل عليها حاليًا؟ وما الذي تطمح إليه في المرحلة المقبلة؟
أعمل على تطوير المحتوى الدعوي، سواء عبر الدروس العلمية والكلمات والمحاضرات أو البرامج التوعوية، والإفادة من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة؛ وأسعى مستقبلًا -إن شاء الله- إلى مبادرات تعزز الوعي الديني والأسري، وتخاطب فئات المجتمع المختلفة، خصوصًا الشباب.
-ما الرسالة التي تود أن تختتم بها الحوار للجمهور؟
رسالتي للجميع أن الدين رحمة، والابتعاد عنه عذاب؛ وأن الاجتماع على الحق رحمة والفرقة عذاب، وأن القرب من الله لا يكون إلا بحسن الظن به، والعمل الصالح، والتعامل الحسن مع الناس، وعلينا جميعًا أن نكون دعاة بأخلاقنا قبل كلماتنا؛ وأن نتمسك بالكتاب والسنة وما كان عليه السلف الصالح؛ وأن نعتني بكتاب الله تلاوة وتدبرا وعملا وحفظا وتعلما وتعليما، ونعتني كذلك بسنة النبي- صلى الله عليه وآله وسلم- وأن نحرص على كتب سلفنا الصالح وعلمائنا المعاصرين الموثوقين؛ وأن نتعاون مع الجميع على البر والتقوى، وأن نحرص على الإيمان والعلم النافع والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر؛ وأن نكثر من الدعاء لأنفسنا ولولاتنا ولعلمائنا ولمن نحب جميعا وللمسلمين والمسلمات جمعيا وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.