بعد أن تقع عينك على رواية «العلبة» للدكتورة شادن دياب، الصادرة عن دار «روافد» عام 2025م، وتقرأ العنوان المكتوب بالخط العريض، وتحته بخط أصغر عبارة: «يحيى الذي رأى»؛ يتبادر إلى ذهنك سؤال ملحّ: من يحيى؟
غلاف الرواية يشير إلى فتى يحمل كاميرا تصوير، وخلفه مخيمات تبدو كأنها للاجئين. عرفنا – قبل أن نقرأ – من هو يحيى، وماذا يعمل، وأين يعمل؟ لأن السؤالين المهمين اللذين يلحّان علينا قبل القراءة هما: ما هي العلبة؟ وماذا رأى يحيى؟
بعد قراءة السطور الأولى، يتبين القصد الأولي من «العلبة» بأنها كاميرا التصوير؛ ولكن هل هذا كل شيء؟ لا، فبعد الاستمرار في القراءة، والانتهاء منها، ثم معاودة الكرة ثانية وثالثة وربما رابعة، تتكشف أمامنا الحقائق وتتسع الرؤية، ونقترب أكثر من الفهم. نتشارك في حوار مباشر وغير مباشر من خلال الأسئلة المطروحة والمفتوحة، التي تنفض غبار السنين المتراكم على أدمغتنا التي اعتادت الاستهلاك؛ إلى أن تعطل فيها فعل العمل، وتلاشى الإنتاج، بل أضحى العالم يفقد إنسانيته ويتوحش أكثر، يغويه الدم والحرائق وصور المشردين والأجساد المتطايرة بفعل الحروب. لم تعد المخيمات ملاذاً آمناً، بل غدت مسرحاً للجوع واليتم؛ صور نراها يومياً وفي كل لحظة، بينما نأكل ونشرب ونضحك وكأن الدنيا بألف خير. عرفنا ماذا رأى يحيى، ولكن.. لماذا لم نرَ نحن؟
وهنا نعود إلى بداية القصة؛ لم تكن طفولة يحيى عادية، فقد عاش مشرداً بعد مقتل والده في غارة جوية على مدينته، فقررت أمه الهروب به إلى بلدة أخرى، ليعيش معاناة الحرب والضياع. منذ طفولته، تعلق قلبه بالكاميرا متأثراً بخاله «عمر» الذي قُتل وهو في مهمة صحفية على الحدود. وجد كاميرته الـ»نيكون» تقبع في صندوقها منذ سنوات، فأخذها وأماط عنها الغبار؛ كانت مكسورة بفعل الإهمال، لكن قلبه التصق بها منذ تلك اللحظة. لم تكن الكاميرا هي الميراث الوحيد، فالمثل يقول: «ثلثا الولد لخاله»، ومن هنا استقى يحيى حب القراءة والاختلاف.
كان لاسمه معنى عميق، كما يقول في ص12: «اسمي يحيى، هكذا هو اسمي. أمي تردد دوماً هذه العبارة مجهولة النسب: وسميته يحيى ليحيا، تعويذة ضد الموت». فهل يموت من يترك أثراً؟ لا، فنحن لا نزال نتذكر الكثيرين رغم رحيلهم. إذن، البطولات لا تُقاس بالقوة العضلية كما صورتها لنا الأفلام الأمريكية، بل بالوعي والإصرار على الدفاع عن الحقوق رغم الضعف.
إن الصورة وحدها تخلق «مستهلكاً»، وهذا ما يتمناه الغرب؛ أما إذا ترافقت الصورة مع العلم وحب الاطلاع، فإنها تنمو وتكبر وتصبح مخيفة للعدو. تقول الرواية في ص15: «في تلك الصورة، لا يظهر الجسد كاملاً، بل تتركز الرؤية على التفاصيل الصغيرة». وهذا أمر مرعب لمن أراد إعماء عينيك وعيون الآخرين؛ لذلك يُهدد كل من يحاول التقاط الحقيقة، إذ يقول في ص11: «ممنوع أن تخطو خطوة أخرى؛ إذا فعلت، سأعتبرها اعتداءً على شخص أمني، ويسمح لي بقتلك». ليس كل الصور مسموحاً بالتقاطها؛ فالصور التي تعرّينا «تُبروز» وتُفتح لها الآفاق، أما الصور التي تفضح ممارسات الآخر ضد حقوق الإنسان فيجب أن تُخفى وتُزال من الأذهان وكأنها لم تكن.
فتش يحيى في تاريخ الصور، وقرأ عن بدايتها وتأثيرها منذ حرب القرم (1853-1856)، وتعلم كيف «يحمّض» الأفلام. ولكن هل يكفي هذا ليصنع منه مصوراً إنساناً يعي توقيت التقاط الصورة؟ يقول في ص18: «ولكن أكثر ما تعلمته لم يكن من الكتب، بل من الشوارع، من الوجوه التي لا تعرف الابتسامة، من الأمهات في الأسواق، من الأطفال في الأزقة». الشوارع والميادين هي من تصنع الصحفي الحقيقي، وهي من يختبر صلابته في قول الحقيقة. هنا يكون العمل «اختياراً» لا «إجباراً»، كما يقول يحيى في ص12: «في كل مرة، بصحبة علبتي للتصوير التي تصنع العالم في بؤرة.. من الغريب أنني اخترت هذه المهنة، أن أصور ما يقترب من الموت، حيث الحياة تبدو معلقة بخيط واهن أتصيده بلا خوف، بكل حرية، بمرآة مصقولة بالحقيقة في وجه العالم».
ذهب يحيى إلى المخيمات مسلحاً بالعلم والخبرة، وقبلهما بقلب يشعر بالإنسان. هناك كانت المواجهة صعبة بين ما هو «إنساني» كشخصية «جود»، وبين من يقف بين الجنة والنار كـ «إيلين»، وبين «الشيطان» الذي لا يعرف إلا مصالحه وليس له اسم، الملقب بـ»أكس».
يدخل يحيى في اختبارات صعبة؛ فإما أن يختار الموت أو الحياة، ولا خيار ثالثاً أمامه. من هنا تبدأ الحكاية: بالخروج من «العلبة»، من الطريق المرسوم، ومن المصالح الشخصية، للانتقال من العالم المادي إلى العالم الإنساني.
«العلبة» رواية تناقش ما يحدث اليوم من حروب وصراعات ودكتاتوريات أدت إلى التشرد واللجوء، وتجارب تُمارس على البشر كما الحيوانات. تكشف الرواية عن «البطل» الذي يظن أن له الحق في الحكم على البشر؛ بطل مصنوع كالروبوت، منزوع الإنسانية. لكن البطل الحق يقي الذي يصنعه التاريخ والجغرافيا والأحداث، المتفاعل مع القضايا الإنسانية، هو من يُراد له أن يموت، كما في نهاية الرواية (ص126): «نعم، السيد أكس، المهمة انتهت. كل شيء تم كما خُطط له. المنطقة باتت نظيفة، يمكنكم الدخول بأمان. وستكون فرصة مثمرة للجميع».
** **
- محمد الهلال