أنْ تغشّي قلبك الظُلم، وتُكهل روحك الأعباء، وتتشبّع أذناك من محيطات السلبية والإحباط، فتنزوي في ركن بعيد، لا كوّة فيه ينفذ منها ضوء يضيء الغسق المهيب الذي خيّم على مبعث الأمل والفأل، فتنطوي على نفسك، وتبكي عليها إذْ رابك الدهر -وحُقّ لك فلست جلمودًا منزوع الأحاسيس والمشاعر- وهدّتك قوارعه، فتسمع حينها صوتًا بكل حنيّة وطيب يهمس في أذنيك: «أنْ تماسك، فلست وحدك، أنا هنا معك، قلبي منديل دموعك، وكتفي متّكأ أحزانك ومخاوفك، كتفي لأيام تعبك وحيرتك وكل ما تثاقله صدرك، وإن لم ينصفك كتفي فهاك ضلعي، اتّكئ!»
لا حرج عندئذ إن انفجرت باكيًا كطفل سُلبت منه أبسط لذائذه في دنيا أحلامه الصغيرة الوردية، لا حرج إن أظهرت ضعفك له وكتمته عن عشرة، فلن ينسف ذلك كيانك، ويحطّ من قدرك في عينيه، فعقد الحب أنقى وأقوى من أن تتناثر حباته وتتهشّم من انكسار عابر، فالمرء جُبل من ضعف، والدنيا بلا صاحب يقف معك ساعة العسرة كبحيرة بلا ماء، لا ينتفع منها كل من أعياه السير لمسافات طويلة، فتوقف ليرتع!
إن ذلك الصوت الذي اقتحم لجّ أعاصير قلبك وشغفهُ حبًّا ونبضًا وأملًا، ونشر بساط الضياء على نوافذه التي أبت إلا أن تُسدل عليها ستائر الظلام حتى تغيب وتتوارى عن الورى هو من هدايا القدَر؛ فلا تفرّط فيه بعد أن سِيق إليك!
لست مضطرًا -ولست أنصح- بأن تجعله مستودع أسرارك، وأحلامك وآمالك، ولكن المرء بحاجة إلى قلب يصغي إليه بين الفينة والأخرى وإن لم يكن عمّا عكّر صفو حياته، إلى شخص يصب في أذنيه من رحيق الفأل والإيجابية حتى تورق أغصان روحه الكسيرة الذابلة فتغدو حديقة تفاؤل وارفة الظلال!
صدقني لن تهن إن بكيت، ولن تتغير نظرة محبيك لك إن أزحت قليلًا صخرة هموم أعيت فؤادك سنين دُفعت من عرق الجبين، ومن قلب مُلئ رقة وحنين، ومن نفس خُلقت من ماء وطين! لن تتزحزح مكانتك في قلوبهم، بل ستظل في نظرهم الرصين الرزين! لن يكسر ذلك كبرياءك، فحتى أطهر من حطّ الأرض انطلق يركض إلى مرتع أمانه حين ذُعر من نزول الروح الأمين! وما استطاع استكمال رسالته إلا بعد أن تحلّق حوله الأصحاب، فقوّوا شوكته، وحينئذ أشرق النور وبان، وصدح الحق وزان!
** **
- لطيفة السكيت