الفيلسوف ليس كائناً منطقياً جافاً، بل هو فنان يتقن صياغة الفكرة فيحولها إلى مفهوم، سواء بالتحليل أو التفكيك أو التجريد؛ يكتب ويشطب ويتردد، يخشى الفراغ. يكسر كتاب «كيف يكتب الفلاسفة» الصورة الذهنية النمطية عن الفيلسوف، ويعرض كواليس الفكر الفلسفي وجمالياته؛ كيف تولد الفكرة وتتحول إلى لغة، فجماليات، فمفاهيم. كما يكشف كيف يستطيع الفيلسوف تحويل القضايا المعقدة إلى حوار إنساني حي، محولاً التأملات الأولية إلى أداة ذهنية منظمة.
الفلسفة ليست مجرد أفكار ولغة تعبير، ولا يوجد «كتالوج» أو وصفة جاهزة للكتابة الفلسفية؛ فهناك من يراها أداة تواصل، وآخر يراها أداة بناء، وغيره يراها أداة لفهم العالم، أو أداة مقاومة للتبادل الساذج للأشياء، ومنهم من يراها فعلاً تأويلياً. وقد عبّر الفلاسفة -على اختلاف تكوينهم المعرفي- عن قضايا هامة في موضوع الكتابة: مفهومها، مفارقاتها، وكونها هوية وتعبيراً عن الذات.
ضمّ الكتاب عدة حوارات لمجموعة من الفلاسفة المعاصرين ترجمها محمد مفضل. ومن هؤلاء الفلاسفة من شكّل مفهوماً خاصاً عن الكتابة بناءً على طبيعة التلقي، ودور القارئ في فهم النص وصياغة المعنى؛ ومنهم من يرى الكتابة إنتاجاً لنسخة من الذات، وآخرون اهتموا بمساءلة مفهوم البلاغة.
وحول سؤال الكتابة، أجاب تشومسكي بأنه لا يفكر في نفسه ككاتب، ويمارس الكتابة بشكل متقطع، لكن ساعده في ذلك امتلاكه قدرة غريبة -وربما هي موهبة كما يقول ساخراً- وصفها بنوع من «السدادات» في دماغه تسمح له بالانتقال من مشروع لآخر؛ حيث يمكنه التوقف لوقت طويل ثم العودة إلى النقطة التي انطلق منها بكل بساطة. يذكر تشومسكي أن لديه أصدقاء من هذا النوع، ومنهم صديق قديم يلتقيه كل خمس سنوات ويستأنفان المحادثة كأنها كانت قبل خمس دقائق. هو لا يذكر أنه خطط لكتابة كتاب معين، بل يحتاج فقط للبدء بالفقرة الأولى ثم تستمر الكتابة.
وعندما سُئل عن أهم عناصر البلاغة، ذكر أنه ليس لديه أي نظرية للبلاغة، غير أنه لا يؤيد فكرة محاولة الكاتب إقناع الآخرين بأفكاره؛ بل عليه فقط أن يهيئ لهم أسس الفهم ليوظفوا قدراتهم العقلية. هو يمتنع عن بذل أي مجهود لجعل القارئ يتوصل للخلاصات نفسها التي توصل إليها، ويرى أن الإقناع «ممارسة سلطوية». وكذلك الحال بالنسبة للتعليم؛ فالأستاذ المثالي لديه هو من يسمح لطلبته بأن يجدوا طريقهم عبر المواد المعقدة، فالتعليم لا يتم بـ «صب الماء في الوعاء» بل بمساعدة «الزهور كي تنمو بطريقتها».
أما عن دور الفطرة البشرية، فقد أيد الاتجاه الأفلاطوني في «بيولوجية اللغة»، حيث يرى أن الاكتساب ليس السبب الأول والأساسي في إتقان اللغة، بل هو قدرة طبيعية؛ فالطفل يولد مزوَّداً بجهاز لغوي يسمح له بالتعلّم، والتعليم ما هو إلا تحفيز خارجي للقدرات الفطرية. وحول رأي باولو فريري في كون الكتابة تقود للتفكير النقدي والتمكين، أجاب تشومسكي بأن الكتابة لا غنى عنها للتواصل الإنساني؛ فالعالم اليوم أصبح أكثر تعقيداً، والتطور الثقافي والأخلاقي يتطلب أشكالاً من التواصل تتجاوز المشافهة، لتدخل المجتمعات في خطاب بنّاء، وهذا هو جوهر التمكين والتعليم.
أما جاك ديريدا، فقد أجاب بأنه لا يفكر في نفسه ككاتب داخل الأجناس الأدبية التقليدية (كالشعر والرواية)، ولا كعالم أو فيلسوف لا يبدي اهتماماً بقضايا الكتابة؛ بل هو مهتم بالطريقة التي يكتب بها فحسب. عالج ديريدا قضايا الجوهر، الزمن، اللغة، والتحليل النفسي، معبراً عن عدم رضاه عن الحدود الفاصلة بين الكتابة الفلسفية والأدبية. يرى أن «التفكيك» يسائل كل عنصر من عناصر الكتابة ويموضعه في مكانه، دون أن يقدم جديداً بقدر ما يحلل سلطة النماذج القديمة. وينتقد في الأطروحات الأكاديمية النماذج التي يفرضها الأساتذة ويصفها بـ «الخطاطات الجامدة»، حيث يمثل الباحث دور الساذج الذي يبتكر سؤالاً وهو يعرفه مسبقاً. كما يشكك في التعارض التاريخي بين الفلسفة والبلاغة (منذ أفلاطون)، ويحاول تفكيك العلاقة بين المفهوم والاستعارة.
ومن جانبها، تؤمن الفيلسوفة جوديث بتلر أن التجديد في العالم يتحقق عبر «العبث باللغة»، وتنفي أن تكون اللغة العادية مؤشراً كافياً للتعبير عن الواقع. وترى أن التجريب اللغوي عامل مهم للتفكير النقدي الذي يتطلب مساءلة الافتراضات باستمرار، ووضع المألوف موضع سؤال. التفكير النقدي عندها مصحوب بـ «قلق الاحتمالات الجديدة»، وهي تؤمن بالقوة التوليدية للتجارب اللغوية بعيداً عن قواعد اللغة الجامدة التي تقيد التفكير.
أما فرانسوا ليوتار، مؤلف كتاب «ما بعد الحداثة»، فيعرف نفسه كفيلسوف «موجه بالمعنى». الكتابة في نظره هي القدرة على مقاومة «شبكة التبادلات» التي تحول المواد الثقافية إلى سلع. وعن «السرديات الكبرى»، يرى أنها مفاهيم ذات طبيعة سلطوية وإقصائية تمارس تهميش الخطابات الأخرى وتقاوم النقد.
بينما أجاب ريتشارد رورتي ببساطة: «أنا استمتع بالكتابة فحسب»، مؤكداً أنه يكتب لإرضاء نفسه ولا ينشغل بتأثير أسلوبه على الجمهور، داعياً للتخلي عن البحث عن الحقائق المطلقة والتركيز على «الحوار» وتفكيك المفردات القديمة.
وعلى نقيضه، يرى سلافوي جيجيك أن الكتابة «رعب مطلق» يحاول تجنبه بكل الوسائل، وإذا كتب فإنه يسعى لـ «محو آثار ذاته» من كتاباته نتيجة طبيعته الهوسية. هو مهووس بالفكرة لا بالجماليات، ولا يميل للشعر، بل ويشبه مقدمات مقالات ديريدا بـ «رقصات الباليه» التي يفضل تخطيها للوصول إلى اللب.
أما كليفورد غيرتز، فيرى الكتابة فعلاً تأويلياً؛ فالباحث الأنثروبولوجي «مؤول» وليس مجرد جامع بيانات، وجودة البحث تكمن في جودة كتابته وقدرتها على إضاءة المعنى. لقد حوّل الكتابة من نقل المعلومات إلى صناعة المعنى، مستخدماً مهارات الأديب لخدمة فكر الفيلسوف.
وفي سياق متصل، يرى ستيوارت هول أن الهوية تتشكل جزئياً من خلال الكتابة، فهي ليست إنتاجاً للمعرفة فحسب، بل «إنتاج للذات». ويرى أننا نشغل هوياتنا بأثر رجعي بعد إنتاجها لغوياً. الكتابة عنده هي لعبة «تحديد المصطلحات»، حيث يمكنه استخدام مصطلح ما مع رفض دلالاته التقليدية وتحميله معاني ثقافية جديدة.
وأخيراً، يذكر ستانلي فيش أنه يكتب ببطء، وغالباً أثناء مشاهدة التلفاز، معتبراً ذلك موهبة في التركيز الفوري. يرى أن «الحقائق الجوهرية» هي نتاج للجهود البلاغية، ويفترض في قارئه مستوى من الخبرة النقدية، ملتقياً مع تشومسكي في الاهتمام بالقدرة الفطرية والذوق اللغوي.
ويختم إرنستو لاكلو برؤيته للعلاقة بين البلاغة والإقناع؛ فالإقناع قد يتم بإثارة العواطف لا بالحجة الحسابية فقط. وعن ثقافة السؤال، يرى أن الأسئلة ليست محايدة بل تعمل على «تضييق مجال الجواب»، مؤكداً أن المجتمع الذي لا يفسح مجالاً للأسئلة ليس مجتمعاً واعياً على الإطلاق.
** **
- هلا الجهني