حينما شرعتُ في قراءة كتاب: «سعوديون عاشوا في مصر»، أعجبتني فكرة الكتاب، ورأيتها رائدةً في مجال التوثيق المكاني أو الإقليمي- إن صح الوصف -، فاقترحتُ على المؤلف الدكتور أحمد العرفج (عبر رسالة سنابية) أن يشرع في إنجاز أعمال توثيقية مماثلة؛ سعوديون عاشوا في الكويت، سعوديون عاشوا في العراق، في سوريا، في أمريكا، لمَ لا؛ فالموضوع ذو شجون، وسيكون متفرداً في هذه الفكرة التي يتقنها بامتياز، فقال لي: إن هذا العمل يتطلبُ جهداً كبيراً.
وبالفعل حينما تعمقتُ في الكتاب وجدته عملاً ضخماً حُقَّ لسفارة المملكة في مصر الشقيقة الاحتفاء به، والاحتفاظ به في رفوف مكتبتها وأرشيفها، ومن أين لعامل المعرفة المبدع د/ أحمد العرفج وقتاً لكي يعكف على هكذا أعمال في ظل انشغاله الدائم بيومياته وأعماله الإعلامية والصحفية المتنوعة، ومن أبرزها برنامج الأسبوعي في قناة روتانا (ياهلا بالعرفج)؟
والكتاب يوثق لكل سعودي استقر في مصر ذات يوم، وكان مؤثراً، وله دور هام وأثر على الصعيد المصري، والكتاب يعدّه مؤلفه هجمةً مرتدةً؛ لأن الباحثين عادة ما يرصدون الأثر المصري على السعوديين؛ وذلك لأسبقية مصر الحضارية، فكان هذا الكتاب أشبه مايكون هديةً وطنية، والتفاته ذكية لهذا الدور السعودي لأكثر من نصف مليون سعودي يعيشون على أرض الكنانة.
ويقع الكتاب في 206 صفحات، وهو من إصدار المركز العربي للنشر والتوزيع، وتم تقسيم الكتاب لعدة مسارات (سياسية، دبلوماسية، دينية وعلمية، اقتصادية استثمارية، ثقافية وصحفية وفنيّة، اجتماعية)، ويبدأ الكتاب بالمسار السياسي في بداية العلاقات السياسية بين المملكة ومصر، ويشير الكتاب إلى الرواد والشخصيات المؤثرة في كل مسار، ويتناول الكتاب سيرة مختزلة لأبرز اسهاماتهم في المجالات التي برزوا فيها، معتمداً المنهج التاريخي (من الأقدم إلى الأحدث).
والكتاب استغرق إعداده أربع سنوات؛ لأن حصر هذه الشخصيات وتتبع مساهماتهم من بطون الكتب، ومن التاريخ الشفهي، وعبر الصحف والمجلات ليس بالأمر الهين، وقد ختم كتابه بسرد عددٍ من الشهادات عن علاقة بعض الشخوص والرموز السعودية في مجالات عدة بمصر.
فتحيّة لعامل المعرفة الذي يتحفنا بهذه الأعمال الخالدة، والتي تظهر فيه شخصيته الدقيقة والمرحة، وأسلوبه الممتع الذي يركز على التفاصيل المهملة في شخصياته بشكل لا يخلو من طرافة، مما جعل الكتاب مادةً شيقة، يحمل معلومات ربما لا يعرفها الكثيرون، ويلقي الضوء على جوانب من الأسماء الرائدة في بلادنا، ويتناول مآثرها وآثارها بطريقة روّجت لهذه المآثر وساهمت في حفظ تراثها الذي كاد أن يُنسى في خضم اهتمامات الأجيال الحديثة، وفي ظل ثورة وسائل التواصل.
ومثل هذه الكتب سيُكتب لها أن تبقى مفتوحة على الدوام؛ لإضافةً مزيدٍ من الشخصيات التي تحفل بها قابل الأيام، وهذا ما تنبّه له د/ العرفج، وأشار إليه في مقدمة كتابه.
بقي أن أقول إنني شخصياً حمّلتُ (الكترونيا) كثيراً من الكتب التي وردت في الكتاب عن بعض الشخصيات المؤثرة، واقتنيتُ أخرى ورقيّة؛ فهل بعد هذا التأثير من تأثُر؟!
** **
- د.منيف الضوي
Mk4004@hotmail.com