مما لا شك فيه أن المملكة العربية السعودية دولة جاذبة للأجانب للعمل فيها، إذ يقدر عددهم بما يقارب 41% من مجمل السكان البالغ 32 مليونا (إحصائية 2022)، فضلًا عن الملايين من الأجيال السابقة التي مرت بالسعودية في عشرات السنين الماضية..
لكن، كيف يتحدث هؤلاء الأعاجم من جملة الأجانب الذي عاشوا في السعودية سنوات طويلة؟ وهل أتقنوا العربية كما يتحدث بها أهلها، أو حتى نصف ذلك، أو حتى ربعه...؟ الجواب المحزن هو: (لا)، فهم لا يعرفون من العربية إلا اسمها، ويزعمون جهلًا أو ادعاءً أنهم يتحدثونها، إلا أن ما يتحدثون به هو اللغة التي تسمى (هجينًا)، وهي مستوى لغوي قاصر جدًا، يفتقد لأساسات اللغة النحوية والصوتية والصرفية...
الجميل هنا، أن الباحثين السعوديين لم يغفلوا عن النظر في هذا الموضوع، ويمكن رصد عدد كبير من البحوث في هذا الميدان، بما يتجاوز العشرين دراسة، منها ما كتبه: د.محمد المعيلي، ود.محمد الجطيلي، ود.منيرة الأزرقي، ود.عبدالرحمن الفهد وغيرهم، ممن قاربوا هذه الظاهرة، من نواحٍ متعددة، كالجوانب الصرفية والنحوية والصوتية والدلالية والتداولية، وهناك من درسها اجتماعيًا، واقتصاديا...
والمؤسف أن هذه الظاهرة مضرة بالأطراف جميعًا، العامل، والمعمول لديه، والبلد الذي يعمل فيه؛ إذ إن رحلة العمل في السعودية يفترض ألا تكون ممرًا عابرًا، يجمع فيه الأجنبي مالًا ليبعث به إلى بلده، بل هو تجربة تغير حياته، وتمزجه بثقافة ثرية عريقة؛ هي الأقرب إلى الإسلام في ممارسته وفكره، وتعكس العروبة بتاريخها وعاداتها النبيلة..
اتفقت تلك البحوث على أن قصور اكتساب اللغة العربية لدى الأعاجم العاملين لدينا يفقدهم ويفقدنا ميزات ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية كثيرة.
كما أن تعليم العربية للعمالة لدينا ليس أمرًا منوطًا بالعمال أنفسهم، لأسباب ظاهرة؛ وظيفية واقتصادية، ولكن هي مسؤولية الجهات العلمية والاجتماعية في السعودية، فكلما اكتسب أجنبي العربية، فإن ذلك يعني ولاءً للبلد، وانتماء إليه، واقترابًا نحوه، ومحبة له؛ لأنه بذلك يفهمنا، ويسبر أغوار ثقافتنا، ويندمج في مجتمعنا..
إن مبادرة المملكة إلى دعم تعليم الأعاجم لدينا العربية هو جزء من الأمن القومي، ونشر للفكر العربي المنفتح، وصناعة للقوة الناعمة الآمنة، فضلًا عن المنافع الشخصية لمتعلم اللغة، وتسهيل التواصل وتقليل الأخطاء وربما الجرائم.. ينبغي النظر في هذه المهمة لا من وجهة نظر اقتصادية آنية بحتة، بوصفها مصدر دخل، بل كاستثمار مستدام، الغاية منه ليس المال، وهذه النظرة المجردة هي التي أدت إلى تقليص المنح التعليمية في الجامعات السعودية، وتجاهل المنافع الأخرى غير المالية..
وللأسباب غير المادية اعتنت دول كبرى بتعليم لغتها للناطقين بغيرها، وسعت إلى نشرها، وبذلت الأموال والجهود في ذلك، مثل المملكة المتحدة التي تدعم تعليم الإنجليزية في كمبوديا وفي الهند وبنغلاديش وغانا، وتعليم مدرسي اللغة الإنجليزية فيها، وتقديم دورات مجانية للمهاجرين في بريطانيا وأستراليا، وتخصيص مقاعد مجانية لتعليمها إلكترونيا.. وكذلك الأمر في فرنسا، إذ أنشأت 800 مركز لتعليم الفرنسية، وتستقبل ما يقارب نصف مليون سنويًا لدراستها، كما تقدم برامج في الداخل الفرنسي لتدريس المهاجرين واللاجئين تعرف ببرامج الاندماج الجمهوري (CIR)، وكذلك الشأن في اللغة الألمانية والهولندية وغيرها.
وقبل البدء في أي خطوة، هناك دور مهم علينا نحن الأفراد والأسر السعودية تجاه هذه اللغة الهجين. فلا بد من مواجهتها، والحد من حضورها واستعمالها، ولا بد أن ينتشر الوعي بأن ما يتحدث به الأعاجم لدينا اليوم ليس لغة عربية مقبولة، وأن تعاملنا معهم ليس أيضًا مقبولًا، كوننا كسّرنا لغتنا وتحدثنا بعجمة بائسة، والتعلل بأن غايتنا أن نوصل ما نريد بأقل جهد، وأنهم (أي الأعاجم) لا يفهمون إلا هكذا، وهنا الخطيئة التي وقعنا فيها، لأننا أوهمنا هذا الأعجمي البسيط بأنه يتحدث العربية.. وهو ليس كذلك.
أخيرًا، أقترح على مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، وهو الرائد في مبادراته، أن يطلق -إضافة إلى برامجه- مبادرة اجتماعية تهدف إلى توعية (السعوديين) بخطر تكسير لغتنا حين الحديث مع العمالة، وضرورة تجنب ذلك، وأن يكون حديثنا إليهم بلغتنا (العادية) التي نتحدث بها بيننا، وأن تبين فوائد ذلك، والغاية منها، وتقدم برامج لتعزيز هذه الفكرة، وآلياتها وتطبيقاتها، وكذلك نشر مقاطع مرئية لشرحها، وتفعيل دور المثقفين والمشاهير والمدارس بهذا الخصوص؛ فهذه هي الخطوة الأولى للتقليل من هذه الظاهرة، التي تتنبأ بعض الدراسات بأن تتحول إلى لغة مستقلة بذاتها.
** **
د. حازم بن فهد السند
halsanad@ksu.edu.sa