دفع إليّ أحد المثقفين مجموعة من الكتب تعود لقريبة له، بعد أن أعادت دار النشر جميع النسخ إليها. لم يكن المشهد عاديًا؛ فقد بدا عليه الضجر والانزعاج، وهو يروي كيف آثرت صاحبة الكتاب التخلص منها، بل وفكرت في إعادة تدويرها لتكون مادة خام لشركات الورق.
كان ذلك المشهد كفيلًا بأن يفتح بابًا واسعًا للتأمل في قضية مؤرقة: ماذا يحدث للكتاب بعد طباعته؟ وهل يؤدي رسالته فعلًا، أم ينتهي به المطاف حبيس الكراتين؟
هذا الموقف يقودنا إلى مفهوم مهم، يمكن أن نطلق عليه: زكاة المثقفين لكتبهم. فكما أن للمال زكاة، فإن للمعرفة أيضًا نصيبًا من العطاء، يتمثل في إيصالها إلى أكبر شريحة ممكنة من الناس، لا في تكديسها أو التفريط فيها.
ومن المواقف التي مرت بي، وتكاد تختصر وجع الكتاب، أنني خرجت يومًا من مسجد حيّنا، فلفت انتباهي رجل يعرض بعض الكتب على بساط متواضع. اقتربت بدافع الفضول، فإذا بعيني تقع على مجموعتي القصصية الأولى، تلك التي كتبتها وأنا على مقاعد الدراسة الجامعية، ونالت حينها جائزة في مسابقة أبها الثقافية.
كان المشهد صادمًا؛ كتابي الذي خرج يومًا محمولًا بالأحلام، يقف اليوم معروضًا على الرصيف.
سألته عنها، فبادرني بثقة: إنها نسخة نادرة، بل الوحيدة المتوفرة! وكاد أن ينجح في إقناعي بشرائها، بعد أن أحكم حبكته التسويقية التي تقوم على الندرة والإغراء. لولا أنني فوجئت بسعر مبالغ فيه، أعاد إليّ رشدي، وأنقذني من الوقوع في فخ شراء كتابي!
ولا أخفيكم سرًا أنني رأيت هذه “النسخة النادرة” تُعرض معه لأسابيع، في كل صلاة جمعة، دون أن تجد من يشتريها.
هذه الحكاية، على بساطتها، تختزل مأساة أوسع؛ فليس المؤلم أن ترى كتابك يُباع، بل أن ترى قيمته تُساء قراءتها، وأن يتحول إلى سلعة هامشية، أو مادة للمساومة، أو ضحية لإهمال طويل.
إن الكتاب، بكل تفاصيله، يعاني من إجحاف ظاهر، وعقوق صامت، وشكوى دائمة من التجاوز عليه، سواء في صناعته، أو تسويقه، أو حتى في تقدير مكانته. فثمة خلل لا يمكن تجاهله في منظومة النشر والتوزيع، يبدأ من ضعف التخطيط، ويمتد إلى غياب التسويق الحقيقي، وينتهي عند قارئ لم يصل إليه الكتاب أصلًا.
إن بطء حركة الكتاب، وضعف قنوات توزيعه، قد يدفعان المؤلف إلى الإحباط، بل وربما إلى الملل. ومع مرور الوقت، تتكدس النسخ في المنزل، وتتحول من مشروع فخر إلى عبء مادي ومعنوي، خاصة مع ضغوط الأسرة وضيق المساحة. وهنا يبدأ التفكير في أقصر الطرق للتخلص منها، حتى لو كان ذلك على حساب القيمة المعرفية التي تحملها.
لكن الحقيقة التي ينبغي التذكير بها هي أن الكتاب لا يفقد قيمته بمجرد تعثر توزيعه، بل يفقدها حين يُحرم من قارئه.
إن مسؤولية المثقف لا تنتهي عند تأليف الكتاب، بل تبدأ مرحلة أخرى لا تقل أهمية: مرحلة الإيصال والتأثير. وهذه المرحلة تحتاج إلى وعي، ومبادرة، وشراكات، وربما إلى إعادة التفكير في مفهوم النشر ذاته، من الورقي إلى الرقمي، ومن البيع إلى الإهداء الواعي.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتب لكتابه، حين تضيق به السبل، أن يمنحه فرصة جديدة للحياة… لا أن يختصر رحلته في آلة إعادة التدوير.
فالكتب، في نهاية المطاف، لا خُلقت لتُعاد إلى الورق… بل لتُعاد إلى الإنسان.
** **
- عبدالله سليمان السحيمي
@Alsuhaymi37