الثقافية - علي بن سعد القحطاني:
يقدّم الروائي والمترجم العراقي المقيم في إسبانيا الدكتور محسن الرملي ملامح تجربته الإبداعية بين العربية والإسبانية، متناولًا تحوّلات مشروعه السردي ورؤيته للكتابة بوصفها أداة لفهم الإنسان لا مجرد ممارسة لغوية، وذلك في حوارٍ مع “الثقافية”، حيث يؤكد أن العودة إلى الأصول الكلاسيكية تمثل وعيًا بجذور السرد أكثر من كونها تراجعًا عن التجريب، مع تمييزه بين الترجمة كفعل إبداعي موازٍ والتأليف بوصفه فعل خلق وبناء.
ويمضي الرملي في قراءة ثيمات المنفى والذاكرة والعنف بوصفها امتدادًا لتجربته الإنسانية، مشيرًا إلى تداخل السياسة مع اليومي، وقدرة الرواية على تجاوز حدود الخطاب المباشر، كما يطرح رؤية نقدية لحضور الرواية العربية في الفضاء العالمي، مؤكدًا أن التحدي لا يرتبط بوفرة الإنتاج بقدر ما يتعلق بآليات الوصول والتلقي، وأن جوهر الكتابة يظل منحازًا للإنسان أينما كان.
الكتابة باللغتين
* بين الكتابة بالعربية والترجمة إلى الإسبانية، كيف تعيد تشكيل هويتك اللغوية؟ وهل تشعر أنك تكتب باللغتين أم بعقلين مختلفين يلتقيان في النص؟
في البداية، كنت أعاني من الازدواجية في الهوية حتى على الصعيد النفسي، أما الآن فأنا واحد بعقل واحد ولكن بأدوات متعددة، فقد توصلت إلى قناعة أن اللغة أداة وليست هدفاً، وللتبسيط: كوني بلغتين يشبه كوني بيدين، اللغة العربية هي يدي اليمنى والإسبانية هي اليسرى، ويدي اليمنى هي الرئيسية والأولى والأجود والأحَب والأدق في فعل الأشياء من يدي اليسرى.
نصوص إسبانية كبرى
اشتغلت على دراسة ونقل نصوص إسبانية كبرى من العصر الذهبي، ومنها دون كيخوته، كيف أثّرت هذه التجربة في رؤيتك للسرد العربي؟
- لقد أثرت فيّ كثيراً وأفادتني، فعلى الصعيد الشخصي ككاتب، جعلتني أتراجع أو أخفف من أسلوبي السابق الحافل بالتجريب والتجريد والترميز والغموض واللعب اللغوي، وأعود إلى الأعمدة الأساسية الكلاسيكية في بناء النصوص، لأن هذه الأصول قد اختبرها الزمن وجعل هذه الأعمال خالدة على مدى قرون، ومن حيث رؤيتي للسرد العربي، وخاصة الكلاسيكي، زاد فهمي وتقديري له، بعد أن كنت أُعرِض عنه في شبابي، إن إرثنا الأدبي العربي عظيم ويتفوق على إرث العديد من الثقافات الأخرى، ولكننا ربما لم نعرف كيف نستوعبه وندرسه ونستثمره ونقدمه لأنفسنا ولغيرنا، لقد كان له تأثيراً في آداب أُمم أخرى ومنها الإسبانية، حيث نجد التأثيرات العربية في صُلب الأعمال الكبرى المؤسِّسة للأدب الإسباني، وقد بحثتُ ذلك أكاديمياً في العمل الأدبي الإسباني الأكبر (دون كيخوته) واكتشفتُ المزيد.
الترجمة والتأليف
* هل ترى أن الترجمة يمكن أن تكون فعلَ كتابةٍ موازٍيا لا يقل إبداعًا عن التأليف؟
- نعم، هي فعل كتابة موازٍ وتنطوي على عملية إبداعية، ولكنها أقل إبداعاً من التأليف، لأن التأليف عملية خلق وبناء من الصفر، ابتداءً من الفكرة والرؤية وبناء الشخصيات وتقنيات السرد وغيرها من العناصر التي يقوم المؤلف بحبكها ويعطيها من عصارة معرفته وتجاربه وروحه وصولاً إلى النتيجة النهائية، بينما المترجم يأتي إلى مادة جاهزة وموجودة وما عليه إلا القيام بنقلها من حاضنتها الثقافية واللغوية إلى حاضنة أخرى بشكل يحافظ عليها قدر الإمكان، وهكذا فالترجمة عملية نقل، وهناك من يجيد هذا النقل بإبداع، وآخر ينقله مشوَّهاً.
ثيمة المنفى
في أعمالك الروائية، تحضر ثيمة المنفى بوصفها قدرًا وجوديًا لا مجرد تجربة جغرافية؛ هل تكتب عن المنفى بوصفه فقدًا أم بوصفه مساحة لإعادة اختراع الذات؟
- وهي كذلك فعلاً «قدراً وجودياً» ليس في أعمالي فقط، وإنما في رؤيتي وحياتي وتجربتي الشخصية، ولهذا فالمكان بالنسبة لي أقل العناصر أهمية على صعيد النص وعلى صعيد الحياة، فكل ما أشترطه أو أطلبه من أي مكان، هو أن يوفر لي الأمان والحرية، الجغرافيا عنصر خارجي بالنسبة لجوهر الإنسان، هي أداة أخرى، مهمة، ولكن يمكن تبديلها، فهناك من يشعر بالغربة والاغتراب والمنفى حتى داخل بلده وعائ لته الأولى، لهذا فإن ما مُتعارف عليه بشأن المنفى الجغرافي، هو فعلاً فرصة ومساحة جديدة للتعرّف على الذات أكثر، أو حتى إعادة اختراعها.
الذاكرة الفردية
* كيف تفهم العلاقة بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجمعية في نصوصك؟ وهل تتعمد الاشتغال على “ذاكرة مكسورة” أم أنك توثّق ما تعجز الذاكرة الرسمية عن قوله؟
- العلاقات بين أنواع هذه الذاكرات متشابكة ولا يمكن الركون إلى واحدة منها فقط بمعزل عن الأخريات، فالذاكرة الفردية لا قيمة لها إن لم تكن عيّنة حيوية من الذاكرة الجمعية، ولكنها ضرورية جداً لمراقبة وتصحيح الذاكرتين الجمعية والسياسية، لأنهما من النوع القصير والذي يمكن ويتم تحريفه دائماً، وأنا من خلال نصوصي، أحاول تدوين أكثر من ذاكرة فردية، ذاكرتي وذاكرة الشخصيات، بغية تصوير ما تتناساه وتتجاوزه الذاكرة الجمعية وما تهمله أو تحرّفه الذاكرة الرسمية. وبقول موجز: أنا ممن يؤمنون بأن الكاتِب شاهِد على عصره.
الكتابة اليومية
* تتقاطع في نصوصك السياسة مع اليومي والإنساني، هل ترى أن الرواية قادرة على قول ما تعجز عنه المقالة السياسية، أم أنك تفصل بين الوظيفتين؟
- بلا أدنى شك؛ إن الرواية قادرة على قول ما تعجز عنه المقالة السياسية، والسياسة موجودة في كل النصوص في كل زمان ومكان، حتى وإن كانت مجرد قصة أو قصيدة رومانسية، لأن السياسة متغلغلة في كل شيء، بشكل مباشر أو غير مباشر، وتؤثر على حياة وتفكير الناس يومياً، والأدب هو مرآة الإنسان داخلياً وخارجياً، وعليه؛ فحتى لو أردتُ التفريق، سأعجز عن ذلك، لأن حياتي نفسها هي نتيجة لانعكاسات سياسية، شئت أم أبيت.
أنا شخصياً لا تعجبني السياسة ولا أُحبها ولا أتعاطاها، ولكننا في الأدب نكتب، أصلاً، عما لا يعجبنا وعما يزعجنا أكثر مما نكتب عما نحبه ونرضاه، الإبداع الحقيقي هو تعبير عن عدم الرضا عن أحوال عالمنا.
الرواية العربية
في ظل تصاعد الرواية العربية عالميًا، كيف تقيم حضور النص العربي في الفضاء الإسباني تحديدًا؟ وهل هناك سوء فهم متبادل بين الثقافتين؟
- حضور قليل، وقليل جداً، قياساً إلى ما حققته الرواية العربية وأنجزته من أعمال مهمة ورائعة كثيرة، لذا؛ فإن سوء الفهم موجود، وهو موجود بين كل الثقافات والأفراد، وسيبقى، إلا أننا من حيث المقارنة؛ فنحن نفهمهم أكثر مما يفهموننا، لأننا نتابع ونترجم ونقرأ ونعرف نتاجهم الروائية أكثر بكثير جداً مما يفعلون ويعرفون هم عن نتاجنا.
الأحداث المأساوية والموت
* كثير من نصوصك تتعامل مع العنف بوصفه خلفية صامتة، لا حدثًا مباشرًا؛ هل هذا خيار جمالي أم موقف أخلاقي من تمثيل الألم؟
- إنه موقف أخلاقي أولاً، أتعامل معه بشكل جمالي لتبيانه وتحمُّله، ومن أجل المواساة، وقد نبهني نُقاد وقراء إلى أنني أصف الأحداث المأساوية والموت بشكل خاص، وحتى جميل، وهناك من كَتَب عما أسماه جماليات الألم والموت في أعمالي، وهناك كتاب كامل للدكتور محمود السامرائي عن موضوع الألم في رواياتي، فالألم هو أحد أهم المواضيع الرئيسية، التي تشغلني وتؤلمني، في حياتي وفي أعمالي، وأعتبره من الألغاز الكبرى في هذه الحياة، وبما أن الألم، بكل أشكاله، هو نتيجة لعنف ما، فحتى الكلمات العنيفة تسبب آلاماً نفسية، تقود إلى عنف أشد وآلام جسدية، لذا أنا ضد كل أنواع العنف، وتجد صوره وتبعاته وأسئلته والتحذير منه مبثوثة في كل ما أكتب وأقول، وأحد أهم دوافع تكريس حياتي للثقافة والفنون، هو نية المساهمة في أنسنة الإنسان أكثر، لأن الآدمي، للأسف، ما زال ينطوي في داخله وسلوكه على جانب بدائي عنيف ووحشيّ، يكفي أن ننظر حولنا أو نتابع الأخبار لندرك ذلك، دم الإنسان يُسفَك كل يوم على يد أخيه الإنسان، ونحتاج إلى قرون أخرى من الفنون والتثقيف لكي نصل بالإنسان إلى حساسية ورهافة وتعاطف أكثر مع الآخر.
الكاتب المترجم
* كيف تنظر إلى فكرة “الكاتب المترجم”؟ هل الترجمة تفتح أفقًا أوسع للكاتب أم تهدد صوته الخاص بالذوبان في نصوص الآخرين؟
- معرفة الكاتب للغة أخرى هي نِعمة كبيرة، والترجمة منها وإليها هي استثمار مُثري وشُكر على هذه النِعمة. الترجمة هي أفضل وأعمق أنواع القراءة، لأنها تتوقف طويلاً عند الصياغات والمعاني والبناء ومن ثم التفكير في كيفية إعادة صياغتها، فلا شك أن الكاتب يتأثر بما يُترجمه كما يتأثر بما يقرأه وأكثر، ولكن التأثر لن يسلبه صوته الخاص أبداً، لأنه يعرف التمييز بين الأصوات والأساليب، فيوظف ما يعرفه بقدر معيّن في المواضِع المناسبة، إلا من أراد التقليد الكامل، فذاك يحكم على نفسه بأنه مجرد نسخة مقلدة، وهذا ما لا يرتضيه كاتب حقيقي. الغالب هو حدوث العكس، أي أن الكاتب كمترجم، يصبغ النصوص التي يترجمها بلغته وأسلوبه هو على حساب الكاتب الأصلي، وهذا أمر يصعب تجنبه، فهو بمثابة بصمة المترجم الخاصة.
رواية (دون كيخو ته)
* كيف أثّرت إقامتك الطويلة في إسبانيا على بنية السرد لديك؟ هل تغيّر إيقاع الحكاية، أم بقيت مشدودًا إلى الحساسية السردية العربية؟
- لم يعد وجودي في إسبانيا إقامة، وإنما هو عَيش، فالأعوام التي أمضيتها من عمري في إسبانيا هي أكثر من تلك التي أمضيتها في العراق، وعليه فبالطبع أن مقدار تأثري بالذهنية وطبيعة السرد الإسبانية هي الغالبة، وفي رأيي؛ إن تقنيات السرد اليوم، في كل العالم، متقاربة ومتشابهة إلى حد بعيد، والفن الروائي العربي الحديث هو أصلاً مستورَد من الغرب، وأم الروايات في الغرب والعالم قد بزغت في إسبانيا، ألا وهي رواية (دون كيخوته)، لذا حتى أن إصراري على دراستها أكاديمياً، كان بنية الذهاب إلى النبع.
الرواية العربية
* هل ترى أن الرواية العربية اليوم تكتب للداخل أم للخارج؟ وأين تضع مشروعك ضمن هذا التوتر؟
- يعتمد ذلك على كل كاتب بشكل منفرد؛ حسب مكانه ومكانته ورؤيته ودوافعه للكتابة، وبالنسبة لي فقد تراوح وتذبذب الأمر بين الاتجاهين، ففي البداية كانت كتابتي للداخل، وبعد خروجي ونجاح ترجمات لأعمالي واحتكاكي المباشر بقراء من لغات وثقافات أخرى، صرت أفكر وأهتم بتوجهي إلى الخارج، لأسباب كثيرة، منها مادية ومنها فكرة أن نُعرّف الآخر بأنفسنا وهمومنا لأنه يسيء فهمنا، لكنني سرعان ما أدركت بأن هذه الأهداف ليست للكتابة الحقيقية، وبأنها تضُر بها أكثر مما تنفع، فصرت أكتب للإنسان بشكل عام، أينما كان، التركيز على الهم الإنساني، بغض النظر عن مكانه وزمانه وثقافته، وخاصة بعد أن علّمتني القراءة والتجربة والتعارف والسفر والعيش؛ أن الناس، كل الناس، في الجوهر تتشابه. فأصبح المهم عندي هو الصدق في الكتابة، والتركيز على ما هو إنساني، وليس على ما هو محلي داخلي أو أجنبي خارجي.
** **
@ali_s_alq