الأسلوبية هي الوجه الجمالي للألسنة، تبحث في الخصائص التعبيرية والشعرية التي يتوسلها الخطاب الأدبي، و»يمكننا القول إن الأسلوبية بلاغة حديثة ذات شكل مضاعف، إنها علم التعبير، وهي نقد للأساليب الفردية»، وهي تعنى بدراسة مجال تصرف في حدود القواعد البنيوية لانتظام جهاز اللغة، وتسعى إلى تحديد الخصائص اللغوية التي يتحول بها الخطاب من سياقه الإخباري إلى وظيفته التأثيرية الجمالية، ويعرّف موضوعَها رائدُ البحث الأسلوبي شارل بالي بقوله: « تدرس الأسلوبية وقائع التعبير اللغوي من ناحية مضامينها الوجدانية، أي إنها تدرس تعبير الوقائع للحساسية المعبر عنها لغوياً، كما تدرس فعل الوقائع اللغوية على الحساسية»، بالي يركز على الوظيفة التعبيرية للغة التي تتعلق بالتأثير العاطفي والوجداني على المتلقي.
والمنهج الأسلوبي هو أحد أكثر المناهج المعاصرة قدرة على تحليل الخطاب الأدبي بطريقة علمية وموضوعية، وإذا أردنا أن نربط الفكر الأسلوبي المعاصر بالدرس البلاغي العربي القديم نجد أن هناك أسساً لأفكار ومفاهيم تتشابك وتتعالق مع ما ينادي به روّاد الأسلوبية اليوم، و»حسب ديكرو وتودوروف فإن الأسلوبية هي الوريث الأكثر قرباً للبلاغة».
إن جلّ الكتب النقدية والبلاغية نحو البيان والتبين للجاحظ، ودلائل الإعجاز لعبد القاهر الجرجاني، ومنهاج البلغاء وسراج الأدباء لحازم القرطاجني وغيره احتفت بمفهوم الأسلوبية، وأثارته في طياتها وإن تعددت المفاهيم التي سيق بها على نحو: الصياغة، واللفظ، والبناء، والطريقة، والضرب، والنظم، والبيان، والتعبير.
ويُعدّ كتاب عبد القاهر الجرجاني (دلائل الإعجاز) بداية تحرك صحيح وفعلي نحو نظرية لغوية في فهم النص الأدبي، ينتهي بها الأمر إلى نوع من التركيز حول دراسة الأسلوب في ذاته في ضوء مفهوم النظم، وهو مفهوم اعتمد على التركيب اللغوي الذي يتصل باللفظ المنطوق والكلام النفسي، كما احتوى - كتابه (دلائل الإعجاز) - على القواعد الفنية والجمالية للبلاغة، معتمداً على قواعد أسلوبية عملية تعين على فهم النص، ففي حديثه عن النظم وشعرية النحو، وحسن الاختيار والتأليف، وغرابة الاستعارة، وغيرها من القضايا يقترب كثيراً من ملامح الدرس الأسلوبي المعاصر، « فليس من شك في أن الأسلوبية المعاصرة لا تكاد تختلف في كثير عن نظرية النظم العربية التي وضع أصولها الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه النفيس (دلائل الإعجاز)، وحين صاغ عبد القاهر آراءه في النظم لم يكن يبعد فكرة اختلاف الأسلوب باختلاف ترتيب الكلام، وجعل بعضه بسبب من بعض. وكانت دراسات عبد القاهر في التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والتعريف والتنكير، والإضمار والإظهار، وكذلك دراساته لأساليب الحقيقة والمجاز، والتشبيه والتمثيل والاستعارة، كان ذلك كله عملاً جديداً في البلاغة العربية، وتفصيلاً واسعاً للأسلوب، وتحديداً قريباً من مفهوم الأسلوبية في المذاهب الغربية الحديثة»، لقد تناول عبد القاهر الأسلوبية من أطرافها وطرق مباحثها وأرسى دعائمها بفطرته السليمة وحدسه العلمي وذائقته النقدية البارعة.
كذلك في كتابه (أسرار البلاغة) بدأ بالحديث عن اللفظ والمعنى، وبعض صور البديع، ثم تكلم عن الاستعارة والتمثيل والتشبيه، وختم كلامه بالحديث عن الحقيقة والمجاز باحثاً فيها عن الأسلوب وسماته.
ومن النقاد العرب الذين احتوت جهودهم الملامح الأسلوبية في معالجتهم النقدية ابن رشيق القيرواني الذي ينحو بالأسلوب منحى الصياغة اللفظية وما يتوفر فيها من تلاؤم الأجزاء، وسهولة المخرج، وعذوبة النطق، وقرب الفهم يقول قال أبو عثمان الجاحظ (أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء وسهل المخارج، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغاً واحداً، وسبك سبكاً واحداً، وهو يجري على اللسان كما يجري الدهان، وإذا كان الكلام على هذا الأسلوب الذي ذكره الجاحظ لذّ سماعه، وخفّ محتمله، وقرب فهمه، وعذب النطق به، وحلا في فهم سامعه، فإذا كان متنافراً متبايناً عسر حفظه، وثقل على اللسان النطق به، ومجّته المسامع فلم يستقر فيها منه شيء)، يتبين من نظرة ابن رشيق النقدية سبقُه في مجال التنظير، فقد أوجز مسائل أسلوبية برؤية نقدية بارعة.
أما حازم القرطاجني فهو أول من خصص للأسلوب فصلاً واصفاً إياه فناً مستقلاً بذاته في كتابه
(منهاج البلغاء وسراج الأدباء) يربطه بما يسمى النظم، فيقول: « لما كانت الأغراض الشعرية يقع في واحد منها الجملة الكبيرة من المعاني والمقاصد، وكانت لتلك المعاني جهات فيها جد ومسائل منها تقتنى كجهة وصف المحبوب.. وكانت تحصل للنفس بالاستمرار على تلك الجهات والنقلة من بعضها إلى بعض، وبكيفية الاطراد في المعاني صورة وهيئة تسمى الأسلوب، وجب أن تكون نسبة الأسلوب إلى المعاني نسبة النظم إلى الألفاظ لأن الأسلوب يحصل عن كيفية الاستمرار في أوصاف جهة من جهات غرض القول وكيفية الاطراد من أوصاف جهة إلى جهة، فكان بمنزلة النظم في الألفاظ الذي هو صورة كيفية الاستمرار في الألفاظ والعبارات والهيئة الحاصلة عن كيفية النقلة من بعضها إلى بعض، وما يعتمد فيها من ضروب الوضع وأنحاء الترتيب، فالأسلوب هيئة تحصل عن التأليفات المعنوية، والنظم هيئة تحصل عن التأليفات اللفظية»، ومعنى ذلك أن القرطاجني يحصر الأسلوب في إطار المعنى، على أساس أن النظم عنده مصطلح يشير إلى النظام في الألفاظ دون المعاني في هيئة معينة.
لقد مثّلت البلاغة بحق في كثير من جوانبها العلاقة بين الأسلوب والمعنى وصلة هذا الأسلوب بما تتعرض له الجملة هو الذي يدخل تحت ما سمي علم المعاني الذي يختص بتتبع سمات تراكيب الكلام في الإفادة، وما يتصل بها من الاستحسان وغيره، احترازاً من الخطأ في مطابقة الكلام لمقتضى الحال، وقد تنبه البلاغيون واهتموا بامتداد هذا المقام إلى الصياغة وجزئياتها، بحيث يكون لكل كلمة مع صاحبتها مقام، وبهذا يرتبط المعنى بجزئيات التركيب ومواطن استعمالها، كما يرتبط بما بين هذه الجزئيات من علاقة خلقها هذا المقام، وعلى هذا الأساس يرتفع الكلام في باب الحسن والقبول، أول ينحط في ذلك لوروده على الاعتبارات غير المناسبة.
لقد أثبتت الدراسات الحديثة وجود علاقة متينة بين البلاغة والأسلوبية « حيث عرف التراث العربي الظاهرة الأسلوبية، فدرسَها ضمن الدرس البلاغي، ولو تأمل المتأمل لتأكد له أن الدرس البلاغي العربي إنما كان درساً أسلوبياً على وجه الإجمال، وما كان ذلك ليكون إلا لأن الدرس اللغوي كان سابقاً على الدرس البلاغي في التراث العربي»، فالبعد النصي الأسلوبي قيمة معرفية مهمة صاحبت أعمال اللغويين والبلاغيين العرب القدامى، وهذا يدل على المعرفة العلمية التي كانت تطبع أعمالهم وتؤسس للتقارب الموجود بينها وبين الدراسات الحديثة اللسانية والأسلوبية لأن:» كل ما يقال في البحث الأدبي الذي ينصب على الأسلوب لا مأتى إليه إلا من جهة اللغة والنظر فيها، غير أن لنظرية الأسلوب تاريخاً طويلاً يرجع إلى تصور قديم وآخر جديد. فالقديم قوامه من النظر في العمل الشعري وتفسيره، وعلى هذا عوّلت البلاغة العربية وغيرها مما يجري مجراها».
إذًا لا تنافر بين معطيات البلاغة العربية ومتطلبات الأسلوبية المعاصرة، أما عن الإفادة التي تقدمها البلاغة العربية للأسلوبية فيرى صلاح فضل أنه: « على الرغم من اختلاف المعالجات البلاغية للصور البيانية عما ننشده اليوم، فإنها بالغة الأهمية بالنسبة للتحليل الأسلوبي، فلا يكفي أن نعثر على صور بيانية ونطلق عليها تسمياتها، بل إنها تبدأ في اكتساب معناها في إطار النظرية الأسلوبية، عندما يتم تصورها كنظام كامل من الوسائل الإقناعية الجمالية يستخدمه المؤلف لتحقيق تأثيرات معينة على الموجه إليهم»، فالبلاغة ينبغي ألا تتوقف عند حدود صدور الخطاب، ثم إظهار دراسة للصور البيانية التي يشتمل عليها، إذ تصبح البلاغة قريبة جداً من الأسلوبية لما تقدم للمبدع خدمة في أثناء الإنتاج، فتعينه على توجيه صياغاته، وجمالياتها، وتمنحه الحس الإبداعي في استخدام الصور والعناصر البلاغية، وتجعل المتلقي يكتشف الدلالات التي ينطوي عليها النص.
ومن خلال نظرة فاحصة في البلاغة العربية في بداياتها ومع جيل النقاد الأوائل يبدو أن البلاغة كانت تهتم بمعالم النص لغوياً ودلالياً وصوتياً، وهذا يدل على ثرائها المعرفي وقابليتها لاستيعاب ما يستجد من علوم، وأنها مناسبة لكل العصور.
** **
ردينة أحمد إدريس - ماجستير أدب وبلاغة - جامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن.