الشخصية الإنسانية نسيجٌ متكاملٌ من خيوط التجارب والخبرات، فلا يمكن فصل الخيط عن النسيج دون أن يتضرر الثوب كله.
والإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم ليس مجرد كائنٍ بيولوجي يولد بخصائص ثابتة، بل هو مشروعٌ مستمر لا يتوقف عن التشكّل إلا برحيله.
فالتراكمية الذكية التي تبنيها التجارب هي تفاعلاتٌ كيميائية تحدث بين تجربة وأخرى لتعطي نتيجةً ثالثة هي الخبرة والحنكة والمحصّلة المعرفية. ولولا حدوث إخفاقٍ معين في البداية لما تحقق نجاحٌ جاء فيما بعد. فبعض حالات الإخفاق التي تحصل لا يتم فهمها واستيعاب أبعادها وآثارها على الوجه الصحيح عند حدوثها؛ لأن ظلال الحدث في تلك الأثناء تبني نوعًا من الغشاوة على التفكير، فتؤثر في جودة التحليل.
فعلى سبيل المثال: قد تكون مسألةٌ بسيطة لا تُلقي لها بالًا، حدثت لك في طفولتك، هي الحل لمعضلةٍ ضخمة قد تواجهك في المستقبل. فتلك الأحداث، رغم محدودية حجمها، تتحول إلى رصيدٍ خبراتيٍّ يتقوّى بما يُضاف إليه مع الأيام. فالبناء لا يقوم على الأعمدة وحدها، بل لا بد من الروابط الصغيرة بينها.
ومن جانبٍ آخر، فإن من عدم الإنصاف الحكم على الشخصية من خلال موقفٍ واحد؛ لأن في ذلك إلغاءً لمواقف أخرى عديدة من الصبر والتعلّم وإعادة المحاولة التي ساهمت في هدوئها ووعيها الذي وصلت إليه.
هذا الفهم يجعل الشخص أكثر تصالحًا مع ماضيه؛ لأنه يدرك تمام الإدراك أن سحب أي حجر من ذلك البناء -حتى لو كان مؤلمًا- قد يؤدي إلى اهتزاز البناء بكامله.
وهذا ما يؤكد أن قوة الإنسان تعتمد على تنوّع تجاربه ومدى عمق استيعابه لها، سواء كانت تلك التجارب محورية أم بسيطة.
فالألم والفرح، والنجاح والفشل، ليست مجرد ذكريات عابرة، بل خيوط أساسية في نسيج الحياة؛ وسلّها قد يهدّ تماسك النسيج نفسه. فهي التي تمنح الشخصية الصلابة والقدرة على التحمل والمواجهة، وهذا هو جوهر التكامل؛ لأن كل تجربة، مهما بدت صغيرة أو سلبية، تعمل كدعامة لما يأتي بعدها. فالفشل هو الذي أعطى للنجاح فرحةً مضاعفة، والخيبة هي التي استفزت الأمل. فالشخصية ليست مجرد مواقف متكدسة، بل متفاعلة فيما بينها لدرجة يصعب معها فصل العناصر عن النتيجة النهائية.
لكن السؤال الذي يثور هنا هو:
إذا كان الإنسان بناءً مشيّدًا من تجاربه، فهل يعني هذا أن تجاربه السيئة ستحكم عليه بأن يكون بناءً مشوّهًا؟
قطعًا، تكون الإجابة: لا. فالإنسان يملك قدرةً فريدة تتمثل في إعادة تفسير الأحداث التي سبق أن مرّ بها، بمعنى أنه يمكنه العودة إلى تجاربه القديمة وهدم معناها السلبي وإعادة بنائها كدرسٍ محفّز. فكونه وحدةً متكاملة من التجارب لا يعني أنه كائن نهائي غير قابل للتجدد؛ فكل يوم يمر به، وكل تجربة يخوضها، تضيف لبنةً جديدة لهذا البناء. وهذا يقتضي أن الخطأ بحد ذاته ليس فشلًا، بل هو مادة من مواد بنائه، وأن تغيير قناعاته ليس تذبذبًا، بل تحديثٌ لنسخته القديمة بناءً على ما استجدّ من معلومات وتجارب. وهذا يفتح لنا آفاقًا في تعاملنا مع أنفسنا ومع الآخرين.
فمن خلال مفهوم الأثر المترسّب، الذي يؤكد أن ليست كل تجربة تمر بنا تبقى ظاهرة على السطح، يتضح لنا كيف أن بعض التجارب تعمل مثل الأساسات تحت الأرض؛ لا نراها لكنها تجعلنا نصمد أمام العواصف. فالمواقف الصعبة التي تجاوزناها في طفولتنا وفي المراحل التالية لها هي التي منحتنا الصلابة النفسية التي نتمتع بها الآن، حتى لو نسينا تفاصيل تلك المواقف.
على أن هذا لا يقلل من أهمية وعاء التجربة، فهو -بلا شك- أهم من التجربة نفسها؛ فقد يمرّ اثنان بالتجربة نفسها تمامًا، لكن النتيجة في بناء كلٍّ منهما تختلف عن الأخرى. فالفارق يكمن في التأمل، الذي بدونه تصبح التجارب مجرد أحداث متراكمة بشكل عشوائي، وبتوظيفه التوظيف الصحيح تتحول تلك الأحداث إلى صرحٍ متماسكٍ ومنظم.
فالإنسان ليس مجرد كائنٍ بيولوجي يولد بخصائص ثابتة، بل هو مشروع مستمر لا يتوقف عن التشكّل إلا برحيله. فجودته تعتمد على كمية تجاربه وتنوّعها، مضافًا إلى ذلك عمق استيعابه لتجاربه المحورية، حتى وإن كانت قليلة؛ فالكيف هنا مقدّم على الكم لأهميته.
وهذا ما يقودنا للتساؤل: هل الأحداث التي نواجهها هي رصيدنا من التجارب والخبرات؟
الأصل في الخبرات التراكمية أنها ثمرة الأحداث التي تمر بنا، لكن ذلك مقيّدٌ ومنضبط بالوعي والاستيعاب والاستفادة من تلك الأحداث؛ فالحدث شيءٌ وقع، أما التجربة فتتمثل في كيفية استيعاب هذا الحدث وأسلوب توظيفه في فهم الحياة.
أخيرًا:
إذا آمن الإنسان أنه محض بناء من تجاربه الماضية، فقد يسجن نفسه في زنزانة تجارب سيئة يظن أنها هي التي تحدد قيمته للأبد؛ لأنه لم يدرك أن الجمال في هذا البناء هو أننا نحن من نملك القدرة على اختيار أيّ التجارب نجعلها أساسًا لقوتنا، وأيّها نعتبرها مجرد سلالم مؤقتة استخدمناها لفترة ثم نحّيناها جانبًا.
** **
- فايز بن محمد الزاحم