أرى أن جانبًا مهمًّا من مأزق الخطاب العربي الحديث لا يرجع إلى التراث وحده، ولا إلى الحداثة وحدها، وإنما يعود قبل ذلك إلى الطريقة التي نتصوّرهما بها؛ فنحن كثيرًا ما نتداول ألفاظًا كبيرة مثل: التراث، والحداثة، والعقل، والهوية، والمعاصرة، ثم نبني عليها أحكامًا واسعة كأنّ الاسم وحده قد أنجز الفهم، وفي تقديري أن كثيرًا من خصوماتنا اليوم لا تبدأ من اختلافٍ ناضج في تحليل الوقائع، ولكن من اضطرابٍ سابق في بناء المفاهيم؛ بمعنى أننا نختلف في حدود اللفظ قبل أن نختلف في موضوعه، ونتنازع في العنوان قبل أن نتحقق من مادته ووظيفته، ومن هنا أجد أن التمييز بين الكُلّ والكُلّي مفتاحٌ نافع لفهم جانب من هذا الخلل؛ فالكُلّ هو الشيء المركّب من أجزاء يرتبط بعضها ببعض على نحوٍ لا تُفهم معه صورته العامة إلا بفهم عناصره وعلاقاتها؛ فالجسد كُلّ، والبيت كُلّ، أما الكُلّي فهو المفهوم العام الذي يصدُق على أفراد كثيرين؛ كالإنسان، والحيوان، واللغة. وبعبارة موجزة: الكُلّ تركيبي، وأما الكُلّي فتجريدي، وهذا الفرق ليس زينة منطقية؛ لأن الخلط بينهما يفضي إلى سوء في التصور ثم بطبيعة الحال إلى سوء في الحكم.
وأحسب أن هذا هو بعض ما يقع في حديثنا عن التراث؛ فنحن نتعامل معه أحيانًا كما لو كان بناءً مغلقًا متماسكًا، وكأن جميع عناصره تنتظم في نسقٍ واحدٍ لا تفاوت فيه، ثم نعود فنتعامل معه أحيانًا أخرى كما لو كان عنوانًا عامًا تُسحب أحكامه على جميع ما يندرج تحته بالسواء، فنقول: التراث هو الحل، أو التراث ضد العقل، أو التراث عائقٌ للتقدم، وفي الحالين يضيع التعقيد الحقيقي للموضوع: مرةً حين نحوله إلى كتلة مصمتة، وأخرى حين نحوله إلى لفظ عام يُلغى تحته الاختلاف. مع أن التراث ليس جوهرًا واحدًا، وإنما طبقات وحقول وعصور ومجادلات؛ فيه النصوص المؤسسة، وشروحها، وفيه الفقه والكلام والفلسفة والتصوف والأدب والبلاغة والتاريخ والسياسة وآداب السلطان وأدب الرحلة والجدل والمناظرات، ثم إن الحقل الواحد منه لا يبقى واحدًا في داخله؛ فالفقه ليس فقهًا واحدًا، والكلام ليس كلامًا واحدًا، والتصوف ليس تصوفًا واحدًا، ولهذا فإن عبارةً من قبيل: «موقف التراث من العقل» أو «رأي التراث في الحرية» لا تكون باطلة في أصلها، لكنها تكون ناقصة ما لم تُقيَّد؛ لأنها تستعمل لفظًا واسعًا في موضع يحتاج إلى تفصيل الحقول والمراتب والسياقات، ومن هنا فإن الحكم على التراث بإطلاق - مدحًا أو ذمًّا - ليس حكمًا معرفيًا تامًّا، ولكنه أقرب إلى موقف أيديولوجي يطلب الحشد أكثر من الفهم؛ فاللفظ العام حين يخفي الفروق بين ما يندرج تحته لا يفسر الواقع، وإنما يختزله.
والأمر ذاته يصدق على الحداثة؛ فنحن كثيرًا ما نتعامل معها كما لو كانت مفهومًا نهائيًا مكتملًا، ثم نُسقط عليها أحكامًا شاملة من مثل: الحداثة هي التقدم، أو الحداثة هي الانحلال، أو الحداثة هي الخلاص، مع أن الحداثة - في تاريخها نفسه - ليست طريقًا واحدًا، بل مسارات متعددة: فيها حداثة فلسفية تتصل بنقد المعرفة والعقل، وحداثة علمية تتصل بالبرهان والتجربة، وحداثة سياسية تتصل بالدولة والقانون، وحداثة اجتماعية تتصل بالفرد والمدينة، وحداثة جمالية تتصل بتحول أشكال التعبير والفن، وحداثة ديكارت ليست حداثة جون لوك، وحداثة كانط ليست حداثة نيتشه، وحداثة التنوير ليست هي نفسها حداثات ما بعده، ثم إن لفظ الحداثة لا يحيل دائمًا إلى المعنى نفسه؛ فقد يعني عند فريق تحرر العقل من الوصاية، ويعني عند آخرين تشكل الدولة الحديثة، أو العلمنة، أو الفردانية، أو القطيعة الجمالية، أو إعادة بناء مفهوم الذات، فإذا استُعمل هذا اللفظ من غير تحريرٍ للمراد به، تحول إلى اسم كبير يختصر ما لا يجوز اختصاره، ويمنح المتكلم شعورًا بالتمكن المفهومي من غير أن يكون قد حدد بالفعل ما الذي يتحدث عنه.
ومن هنا أجد أن جانبًا من اختلافاتنا الفكرية ليست بين مفاهيم محررة، وإنما بين (هوياتٍ) تنتسب إلى ألفاظ كبرى؛ فهذا «حداثي» تغريبي، وذاك «تراثي» رجعي، ثم لا يلبث هذا الفرز أن يتشظى داخل المعسكر الواحد؛ فالحداثي الذي يرى نفسه تقدميًا قد يصف حداثيًا آخر بالرجعية لأنه لم يذهب بعيدًا بما يكفي في القطيعة أو التفكيك، والتراثي الذي يرى نفسه منفتحًا قد يصف تراثيًا آخر بالجمود لأنه لم يحسن التمييز بين ما هو حي في التراث وما هو ميت فيه، وهكذا لا تعود المشكلة في التراث أو الحداثة من حيث هما موضوعان للفهم، ولكن في تحولهما إلى راياتٍ للتموضع والانتساب.
وهنا يظهر الخلل الابستمولوجي على نحوٍ أوضح؛ فالمشكلة تكمن في اضطراب العلاقة بين المفهوم واستعماله والواقع الذي يراد تفسيره، وهذا التفريق ضروري؛ لأن الخلل قد يقع في بنية المفهوم نفسه، وقد يقع في نقله من سياق إلى آخر، وقد يقع في استعماله داخل الخطاب، وقد يقع في إسقاطه على واقع لا يستجيب له على النحو الذي استجاب له في بيئته الأصلية، ولهذا فإن بعض أدواتنا المعرفية المستعملة في قراءة المجتمع العربي تُستعار أحيانًا قبل أن تُختبر؛ فنحن قد نأخذ مفاهيم نشأت في سياقات أوروبية مخصوصة، كالصراع بين الكنيسة والدولة أو تشكل الفردانية الحديثة، ثم ننقلها إلى واقعنا نقلًا لغويًا سريعًا من غير أن نعيد بناء شروطها الاجتماعية والتاريخية، ومن غير أن نسأل عمّا بقي من معناها بعد النقل، وما الذي تغيّر، وأين تقف قدرتها التفسيرية، والمشكلة هنا ليست في أصل المفهوم، وإنما في منحه سلطة تفسيرية مطلقة لا يملكها.
وفي الجهة المقابلة لا يقل الأمر خطرًا حين نتعامل مع التراث باعتباره صندوق أجوبة جاهزة نكسر به أسئلة الحاضر، أو متحفًا مقدسًا نلوذ به كلما اشتدت علينا الأسئلة؛ فالتراث لا يكون حيًّا إلا إذا دخل في حوار مع السؤال المعاصر، كما أن الفكر العالمي لا يكون نافعًا إلا إذا دخل في اختبار التجربة المحلية، ومن هنا فإن الإفادة من التراث لا تكون بعبادته، كما أن الإفادة من الفكر العالمي لا تكون بالارتماء فيه، ولكن تكون بأن يُستنطق الأول، ويُحاور الثاني، بعقل يفرز ويختبر ويعرف الحدود.
وعلى هذا الأساس لا أرى الحل في لافتة: «التوفيق بين الأصالة والمعاصرة»، فهذا الشعار - على جاذبيته - أوسع من أن يكون برنامجًا معرفيًا ما لم يتحول إلى أسئلة ومعايير؛ فما الذي نأخذه من التراث؟ وبأي ميزان نأخذه؟ وما الذي يبقى منه صالحًا للاستبصار؟ وما الذي لم يبق منه إلا قيمته التاريخية؟ وما الذي ننتفع به من الفكر الحديث؟ وما الذي نعيد تأويله أو نرده؟ هذه الأسئلة يجيب عنها عقل نقدي يميز بين النص وتأويله، وبين المفهوم واستعماله، وبين التاريخي والمعياري، وبين القيمة المعرفية والقيمة الرمزية.
ولذلك فالمخرج الحقيقي يبدأ من إعادة بناء السؤال نفسه؛ فينبغي أن ننتقل من سؤال: من نتبع؟ إلى: ما الذي يفسر واقعنا؟ فالسؤال الأول هوياتي، ينشغل بالانتساب والاصطفاف، أما الثاني فمعرفي، ينشغل بالفهم والتحليل والتفسير، غير أن هذا الانتقال لا يقع تلقائيًا؛ لأن السؤال نفسه وليد عادات ذهنية ومؤسسات تعليم وطرائق قراءة تحدد للباحث ما الذي يجوز أن يسأل عنه، وما الذي يُدفع إلى الهامش قبل أن يُسأل أصلًا.
إذن ماذا نحتاج؟ ما نحتاجه حقيقةً ليس أصلًا واحدًا نفسر به كل شيء، ولا وحدةً قسرية نختصر بها التعدد الحي في عالمنا العربي، وإنما عقل تركيبي منضبط يعرف أن الهوية سيرورة لا كتلة وأن التراث طبقات لا جوهر واحد، وأن الحداثة أيضًا تجارب متعددة ومفاهيم متحركة ونقد دائم للمسلّمات، وهذا العقل يحلل أولًا ثم يركب بعد ذلك على دراية؛ لأنه يعلم أن التركيب الحق لا يكون إلا بعد التمييز، وأن الجمع لا تكون له قيمة ما لم يكن مسبوقًا بمعرفة الحدود والمراتب والوظائف.
فليست القضية - في خاتمة المطاف - أن ننتصر لاسمٍ على اسم، ولا أن نختار بين تراث وحداثة كما لو كنا أمام ثنائية مكتملة الحدود، ولكن السماح لحق العقل في أن يفهم عالمه من داخله، وأن يحاور العالم من موقعه، وأن ينتج من واقعه أسئلته وأدواته ومعاييره، فإذا تحقق ذلك لم يعد التراث خصمًا للحاضر، ولم يعد الفكر العالمي تهديدًا للهوية، وأصبح كلاهما مادةً في مشروع أكبر: مشروع بناء عقل عربي قادر على الفهم لا مجرد التكرار، وعلى النقد لا مجرد الاصطفاف، وعلى التأسيس لا مجرد النقل.
** **
أسامة بن يحيى الواصلي - كاتب وباحث في الأدب والفكر