لم يعد حضور المثقف اليوم مرهونًا بما يقدّمه من أفكار، بقدر ما أصبح خاضعًا لما تسمح به الخوارزميات، في زمن المنصات، لم تعد الكلمة وحدها كافية لتصل، بل أصبحت تمر عبر “بوابة غير مرئية” تقرر ما يُعرض وما يُخفى، وما ينتشر وما يُدفن في زحام المحتوى، وهنا لم يعد السؤال: هل الفكرة مهمة؟ بل: هل الخوارزمية ستمنحها فرصة؟ هذا التحول غيّر شكل الثقافة، لا في مضمونها فحسب، بل في طريقة إنتاجها أيضًا، فالمحتوى الذي كان يُكتب على مهل، ويُبنى على التأمل والتراكم، أصبح اليوم مطالبًا بأن يكون سريعًا، جذابًا، وقابلًا للاستهلاك الفوري، ولأن الخوارزميات تكافئ ما يُشاهد ويُشارك، فقد بدأت تُعيد تشكيل ذائقة الجمهور، بل وحتى أسلوب المثقف نفسه، فصار بعضهم يختصر الفكرة، لا لضروراتها، بل لتناسب المنصة، ويبالغ في تبسيطها، حتى لا تفقد قابليتها للانتشار، وهنا تكمن المفارقة: كلما اقترب المثقف من الجمهور… ابتعد أحيانًا عن العمق، لكن: هل المشكلة في المنصات؟ أم في طريقة التعامل معها؟ في الحقيقة، ليست الخوارزميات خصمًا بقدر ما هي أداة، لكنها أداة تحمل منطقها الخاص، الذي لا يعترف إلا بما يحقق التفاعل، ومن هنا، يصبح المثقف أمام اختبار صعب: هل يكتب ليُفهم… أم ليُشاهد؟ بين التأثير الحقيقي والانتشار السريع، مسافة لا تُقاس بالأرقام، فقد تنتشر فكرة بلا أثر، وقد تبقى فكرة أخرى محدودة الوصول، لكنها تُحدث تحولًا عميقًا، ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن المنصات منحت المثقف فرصة لم تكن متاحة من قبل: الوصول المباشر، وكسر الحواجز، والتأثير خارج الأطر التقليدية، لكن هذه الفرصة، تحمل في داخلها تحديًا: أن لا يتحول المثقف إلى “منتج محتوى” فقط، ولا تتحول الفكرة إلى مادة استهلاكية تُستهلك وتُنسى، في النهاية، ليست القضية في الخوارزميات ذاتها، بل في مدى قدرتنا على استخدامها دون أن يُعاد تشكيلنا على صورتها، فالمثقف الذي ينجو اليوم، ليس من يرفض المنصات، ولا من يذوب فيها، بل من يعبرها… محتفظًا بصوته.
** **
- خلود القاضي