يقدم مرزوق بن سالم بن نمران الشخصية الساردة في رواية حسن عامر الألمعي (رصاص في بنادق الآخرين) الصادرة عن دار أدب في العام 2023م، تعريفًا ابتدائيًا عن نفسه يشمل تاريخ ولادته الدقيق الذي تجرأ على تصحيحه عند إصدار تابعيته، كما يحدد فيه مكان ولادته واسمه منتسبًا إلى والده وجده، وهو بذلك يحيل إلى ارتباطه بالمكان والنسب، إلى أفراد هذه المجموعة، التي يستمد منهم سماته وخصائصه التي تمنحه القوة، ويخرج من هذه الافتتاحية إلى فصول الرواية الأخرى التي سميت بأولئك الأشخاص الذين ساهموا في تكوين هويته، مبروكة والدته، وزرعة جدته، وهو يخصص لكل واحدة منهما فصلًا مستقلًا، فيما يخصص فصلين لكل من والده سالم وجده نمران.
وتنطلق الرواية من شخصية مرزوق، الذي ولد في ظروف تاريخية واجتماعية فارقة، فعلى المستوى الاجتماعي فإن والده هو سالم ابن شيخ القبيلة ورجلها المهاب نمران، الذي تمثّل شخصيته رمز العراقة والسلطة، وهو ما يجعل نسب مرزوق متجذرًا في بيئة محافظة تحتكم إلى السلالة والمقام الاجتماعي، أما والدته مبروكة، فهي من الفئة الاجتماعية الأضعف، أو المهمشة بمعنى أدق، فهي من فئة العبيد التي لا تمنح المرأة صوتًا أو مكانة مهما فعلت، لكنها ارتقت بمكانتها وخرجت من الهامش الاجتماعي إلى قلب الحكاية حين أصبحت زوجة لابن الشيخ نمران، ووالدة حفيده، ولم يكن زواجها من سالم إلا لتستر ما فضحته غاوية زوجته فائقة الجمال عنه.
ويعيش مرزوق في هذه الأسرة التي تنقاد لأوامر سيدها وسيد القبيلة الجد الحازم الذي يحمل لحفيده حبًا لا يصرح به، لكنه يظهر في فخره وإصراره على مرافقته في المناسبات الاجتماعية بوصفه ابنًا له، ووالدة يشفق عليها من إهمال زوجها الذي جعلها تتخذ بيتًا بعيدًا عن القرية، ولم تدخل إليها إلا بعد أن ظن أحد تجار العبيد أنها وابنها من عبيد نمران، مما جعل الجد يأمر بانتقالها وابنها إلى جواره.
ويلازم مرزوق جده في مجالسه ورحلاته وحتى في خلواته، حيث يتعرف على شخصية نمران كما لم يعرفها أحد، ويحفظ عنه بالتوارث ما حفظته ذاكرة الجد عن زرعة زوجته (الأسطورة) التي دافعت عن الشرف والأرض في حكاية ترويها مصادر متعددة، وبرغم اتضاح الحكاية وأحداثها بشهودها إلا أن (زرعة) لم تسلم من الأقاويل التي طالت عرضها حتى بعد وفاتها، لكن الوجه الآخر من الأحداث ينكشف له من التفاصيل الدقيقة التي التقطها من جده نمران، فانطلق منها مكونًا صورة أسطورية عن زرعة التي سماها (أسطورة المكان).
وتجسد الرواية في نسيجها الاجتماعي تنوعات مختلفة في اللون والجنس والعرق مما يعكس صراعًا إنسانيًا عميقًا حول الهوية والانتماء في مجتمع تبرز فيه العنصرية؛ لكنها تتلاشى حين تقدم الفئات الأدنى قرابين الوفاء للمكان (الأرض)، فتتحول مكانتها اعتمادًا على تلك المواقف، فالألمعي يبني عالمًا متخيًلًا يصور المجتمع في بنيته المكانية القائمة على العادات والتقاليد، وفي علاقته مع العدو التركي والمرأة والعبيد، كاشفًا عن معطيات ثقافية وأخلاقية تظهر في صورتها المباشرة أو الرمزية للدلالة على تاريخية المكان وأزمة الهوية.
وتحدد الفترة الزمنية لأحداث الرواية بفترة الوجود العثماني في منطقة عسير ومعارك اجتثاثه، كما تتزامن مع مشاركة الجيش السعودي في مواجهة العدو اليهودي في فلسطين، وعليه فقد اتسع الفضاء المكاني ليشمل منطقة عسير والطائف وبيرون إسحاق.
وتتشابه أوضاع الأوطان المختلفة وإن تباعدت مواقعها المكانية في الحقبة الزمنية المكتظة بالأحداث الممتلئة بالصراعات والمواجهات؛ ويبرز الاشتغال على هوية المكان بمكونيها الذكوري المتمثل في الجد نمران الذي تسمى به مجموع تلك القرى، والجدة زرعة التي تمثل المكون الأنثوي التي غيّر نمران مجرى السيل الذي يفيض من مزارع آل نمران إلى اسمها عوضًا عن اسم سالم، في استبدال يحمل معنى التكريم للمرأة الأم، مع ما يحمله من تهميش لمكانة الابن سالم، الذي يغيّب اسمه ليحل مكانه اسم امرأة استطاعت أن تقدم روحها ثمنًا للدفاع عن الأرض فيما لم يقدم لها شيئًا يستحق تخليد اسمه.
ويمكن القول أن المكان ينتظم في دائرتين الكبرى (القرية/ نمران) والصغرى (الشعب/ زرعة)، وهذه الدائرة الصغرى هي المؤصل للهوية والدال على إنسان المكان، وهي برغم صغر مساحتها إلا أن تاريخها الوجودي يحضر في الرواية منذ الولادة الخارقة؛ حيث يختار القدر المكان ( الشعب) الذي يرسم شخصيتها، وتعبر منه إلى الحياة كما تعبره إلى الموت، في مفارقة لاختيار ذات المكان للموت والولادة؛ حيث فتحت السماء المنهمرة بالقذائف التي قتلت زهراء ليخرج الأتراك:» زرعة من بطنها في سبعة شهور»، فـ» جسد زهراء تشظى لكنه أنبت زرعة»، وحين «ابتلعت الأرض زهراء لفظت زرعة فحملت الصغيرة على الفور إلى حضن أم الجميع صالحة»، وحين كان جسد والدتها زهراء ينكمش إلى الأرض يبحث عن الماء في جوفها كانت هي قد: «نمت على أغصانها الغضة قبيلة من العشق والغدر، وتكاثر الوشاة على أوراقها الخضراء»، إن أسطورة الموت والولادة على يد الغرباء هي في الحقيقة صياغة أسطورية لواقعة تاريخية تتعلق باستباحة الغرباء حدود المحظور (المرأة/ الأرض)، وإحلال اسم المرأة على المكان بمثابة الإبقاء على الحدث شاهدًا ومحرضًا على استعادة الكرامة.
وتمثل هذه البداية الأسطورية لولادة زرعة الهوية المكانية الصلبة التي انبثقت منها، ثم تناسلت في أبنائها الذين آخت بينهم دون النظر إلى المكانة أو الجنس، وهو الأمر الذي جعل لمبروكة نصيبًا من الحياة كبقية صغار القرية:»زرعة التي أحببتها وكرهتها ربطت أجسادنا بدماء عشرين عائلة من قبائل شتى ...إخوة الرضاعة»، فزواج مبروكة من سالم ابن الشيخ نمران لم يمنحها انتماء كما منحتها إياه زرعة، ذلك الانتماء الذي يسنده قوة المكان الذي لا تعرف سواه، فتتعلق بغصن زرعة حتى لا تهوي في قاع العنصرية، ولا تفكر في اللحاق بمرزوق إلى الطائف، لأن جذورها ترتبط جذور الأرض (زرعة)، التي تمثل الجذر الأساسي لوجود الإنسان في القرية، فهي رمز التعايش والاندماج مع الآخر ،كما أنها تمثل الجذر الأساسي في نمو الشخصيات والأحداث في الرواية.
وتنكشف دلالة الحياة والحرية لـ(زرعة) في اتحاد مكان الولادة والقتل (الشعب)، وامتداد أثر المكان على التسمية (زرعة)، وطريقة الولادة (الإنبات)، في الطابع الذي تأخذه بعد ذلك؛ فهي تنظم حياة أبناء القرية منذ رضاعتهم، موحدة بينهم في توفير أسباب الحياة، وتصبح الأرض (مكان الموت والولادة) الأفق الجديد لفكرة الحرية التي ينطلق منها رجال القرية، وهي بذكراها وسيرتها تصبح ذاكرة محورية في الأذهان تستمد قوة استمرارها وثباتها من رمزيتها، فهي نقطة التقاء بين تاريخ المكان ووجدانه الذي يمثل هوية الجماعية.
وتتحول (زرعة) إلى هوية (فردية) مضمرة يكتشفها مرزوق ليرسم بها حدود المكان وهويته التي ينتمي إليها ومنها ينطلق إلى أفق المكان الأوسع، حين كتب عنها لأستاذه السوري، فقال: « واصفًا أسطورة المكان: زرعة... تنطلق من أعماق التراب الخصب، فتمد عنقها للأعلى مع ظهور أول خيوط شمس الصباح، بعد أن تتراقص ليلًا فرحا بالضوء المنتظر، تثبت أقدامها في الأرض، ثم تنسل قامتها الخضراء باتجاه السماء، تغازل السحابة الصغيرة الكسولة التي غفت فوق القرية منذ الليلة الماضية. ..كلهم رقصوا من أجل زرعة حبًا في الحياة...كلهم تسابقوا ليطبقوا كفوفهم الحجرية على أنامل حريرية تنزف ندى عند ملامستهم لها...زرعة هي ثمرة مواسم الماء فمن يبقى حيًا هنا إذا لم يحم زرعة وهي تهب خصرها للسماء ثم يحصدها ثمرة».
وكما شكلت (زرعة) صورة المواجهة الأولى بين العدو وصاحب الحق، في حدث ولادتها وظلت وجعًا كامنًا، فقد صنعت من وفاتها حدثًا آخر في دائرة المكان الصغرى؛ ليصبح محورًا يحرك الأحداث؛ فصار (شعب زرعة) بؤرة الصراع، وصورة للموت والنزاع حتى بعد انتهاء الأحداث السياسية؛ ظل ذلك الشعب ذاكرة السقوط إلى النهاية.
يتوازى موت (زرعة) مع الحياة الكريمة؛ حين تستبدل مصيرها بمصير المكان، فهي بمقتلها تمنح المكان ملكيته لنمران وانتسابه لها؛ يتجلى ذلك فيما يرويه نمران عن الفصل الأخير من حياتها حين أصبحت أوراق، وعذوق الذرة جاهزة للصريم، فدخل الجنود لنهبه؛ فجمعت صخورًا وبدأت تقذفهم بها؛ وهي تصيح: «يا نمران يا نمران الحق أرضك وعرضك»، تجاوزتها رصاصة اليوزباشي؛ لكنها اتجهت إلى المكان الخطأ فأصيبت وماتت، هذه الرواية لا تمنع روايات أخرى تندس بين ألسنة النساء وتمتلئ بالريبة مثيرة السؤال: «لماذا لم تسقط زرعة إلا في أرض عيسى شاطر؟ ، لقد ظلت تحمل حتى بعد موتها سرًا وجرحًا عميقًا يرتبط بكيفية ولادتها وموتها؛ فهي حكاية الحذر والخوف التي: «تتناسل أجيالا من القيل والقال حتى وصلت لأذني بعد عشرات السنين من دفنها جسدًا نبتت من قبره أشواكًا تجرحنا جيلًا بعد جيل»؛ وهذه الأقاويل تخرج رغمًا عن قائليها من غرضها للنيل من شرف زرعة إلى خلودها؛ فسيرة زرعة لم تنته بموتها بل ظلت حديثًا جديدًا؛ لاسيما بعد الانتصار على الغرباء، مما أعاد إلى الأذهان تفاصيل زواج نمران بزرعة: «زواجي من زرعة كان محاولة لردم بعض الجروح...فالمتنافسون كثر وهي قلب واحد، كانت خصبة كأرضنا التي جلبت الأتراك حتى في أقسى لحظات قصف المدافع على بيوتنا كانت زرعة الوحيدة التي لا تهرب، بل ترز جسدها في التراب وكأنها تحميه وتطلب في الوقت نفسه حمايتها. كلما سمعت صرخات الأمهات وهن يحملن أطفالهن هربًا من نيران القذائف تصيح عليهن ادفنوهم الأرض تحب أهلها».
إن هذه الرواية بما تمثله أسطورة (زرعة) بأبعادها المختلفة تجلي العلاقة والارتباط بين المرأة والأرض في صور عضوية أو رمزية دالة على الخصب والرسوخ والثبات، في طابع ملحمي يمثل العمق التاريخي للمكان وما طرأ عليه من تغيرات سياسية واجتماعية واقتصادية بظروف مخت لفة وأجيال متعددة ومستويات متباينة عكست بنية النسيج الاجتماعي وأزمة الهوية والانتماء خلال فترة تاريخية عانت فيها المنطقة من عدم الاستقرار، وبرغم مراوحة الرواية بين أماكن متعددة تتشابه في الظروف والملابسات ولها إغراءات محفزة إلا أنها لم تستطع التأثير على (مرزوق) فقد كان للمكان الذي يحمل روح (زرعة) السطوة المؤثرة على أبنائه في العودة والبقاء والتمسك به؛ فهذه الروح هي نبض الحياة، والذاكرة التي لا تمحى، والجذر الممتد من الأرض إلى أرواح الأبناء عبر الأزمنة الممتدة، فهي ليست شخصية عابرة في نسيج الحكاية، بل هي التاريخ والهوية النابتة من التراب، صوت الهامش الذي تحوّل إلى مركز، وصراعُ الهوية والانتماء الذي أنجبته البطولة الأنثوية.
** **
- أ.د.دلال بنت بندر المالكي