أحيانًا وتماشيًا مع الحماس للقراءة ينحو البعض نحو تخصيص وقت طويل للقراءة من أجل إنجاز أكبر، وهو أمر لا غبار عليه في حال كان القارئ متأكدًا من قدرته على مواصلة القراءة، متسلحًا بلياقته القرائية؛ فهي أفضل استثمار في الوقت ينعكس على مجمل حياة القارئ وحياة من حوله.
لكن المشكلة تكمن حين لا يتمكَّن البعض من مواصلة القراءة مدة طويلة، لعدم تمتعه بلياقة القراءة، فيشعر بالملل، أو بعدم القدرة على فهم ما يقرأ؛ حينها قد يصاب بردة فعل سلبية تجعله يعتقد أن القراءة أمر صعب، وأنها ليست له، وقد يتركها للأبد.
وما هو أفضل في هذه الحالات أن يحدد القارئ أوقاتًا معينة وقصيرة من كل يوم للقراءة، مع الالتزام بها؛ فهي الأجدر بالاستمرارية وبتحقيق أعلى قدر من التراكمية القرائية بمرور الوقت.
ويمكن تحديد وقت معين كل يوم، ولو كان نصف ساعة أو ربع ساعة قبل النوم مثلًا، أو بعد الاستيقاظ وقبل الذهاب للعمل أو الدراسة، أو تحديد وقت معين من الليل أو النهار، مع الالتزام به قدر الإمكان حتى يصبح كالعادة اليومية.
وجدير بهذه العادة إن استمرت أن تشكل فرقًا كبيرًا في مجموع قراءات أي شخص، خاصة حينما نصنفها طقسًا يوميًّا لا يمكن المساس به إلا في ظروف قاهرة، فهذا الروتين الجميل سوف يتحول إلى ممارسة راسخة، وربما إلى إدمان يُحدث من التغيير ما يصعب على عادة أخرى أن تحدثه.
جميل جدًّا أن يخصص المرء وقتًا طويلًا للقراءة إن تمكن من الاستمرار فيه؛ لكن ما قيمة ذلك إن كان الاستيعاب حينها قليلًا، مع احتمال ارتداده عن القراءة أو الابتعاد عنها لمدة بسبب عدم وجود الوقت الكافي؟ أليس من الأفضل أن تكون القراءة لفترات قصيرة في أوقات محددة كل يوم أو كل عدة أيام لكنها مستمرة لا تنقطع، مصداقًا لمقولة (قليلٌ دائم خيرٌ من كثير منقطع)، مع فتح الباب دائمًا أمام القراءات المطولة؟
ويتماهى هذا التكتيك مع الوتيرة السريعة لحياة الناس اليوم، التي يجد فيها كثير منهم مشكلة حقيقية في توفير وقت طويل لأي أمر، فكيف إذا كان ذا طابع جدي؟ كما يتناغم مع إمكانية استغلال الأوقات الضائعة بين مهمَّتين -كانتظار وجبة أو انتظار الأطفال لإيصالهم إلى المدارس- حين يكون أحدنا قد انتهى من مهمة منتظرًا البدء بالثانية، وما أكثرها! في هذه الأحوال يمكن دمج القراءة في البرنامج اليومي مهما كان مزدحمًا؛ وذلك لسهولة توفير مدد قصيرة في اليوم أكثر من تفريغ القارئ نفسه ساعات للقراءة، خاصة أن الطقس الثابت القصير أقل إرهاقًا للبدن والعيون والذهن.
ومما يساعد على نجاح هذا الأسلوب توفر كتب محببة وقريبة من القارئ في أي وقت يرغب في القراءة.
وختامًا فإن هذا التكتيك قد لا يميل إليه من يرى في تعدد الكتب في وقت واحد تشتيتًا للذهن وإعاقة لحالة الانغماس العميق في القراءة، خاصة مع الكتب العلمية أو المعمقة. ويمكن للأشخاص المشغولين المزج بين القراءة المطولة والطقس اليومي القصير والثابت، كما يمكن أيضًا تخصيص أيام الإجازات الأسبوعية أو السنوية للقراءة المطولة أو المعمقة، والإبقاء على الطقس الثابت في الأوقات الأخرى.
** **
- يوسف أحمد الحسن
@yousefalhasan