هناك شخصيات تمرّ أمامك.. ثم تمرّ منك.
وهناك شخصيات تمرّ أمامك.. ثم تبقى فيك.
«ذيبة» من النوع الذي لا يغادر بسهولة.
في «اليتيم» لا تُفتَتح الحكاية بصوتٍ عالٍ؛ تُستدعى كما يُستدعى الطيف: همسةٌ تتسلّل من تحت الأبواب العتيقة، وتشقّ طريقها في أزقّة الشام القديمة. هناك، حيث الجدران لا تقف صامتة، وحيث الحجر يحتفظ بما سمع ورأى، يرسم المخرج تامر إسحاق المكان كذاكرةٍ تمشي على حوافّ الضوء، وتتنفّس على مسامات الطين، فتتماهى الخلفية الزمنية مع الحالة النفسية حتى يصير الزمن شعورًا يُرى.
الكاميرا لا تلتقط الحارة.. تُحاكمها، تُجلسها على كرسيّ الشهادة، وتستخرج من أخاديد الوجه الدمشقي اعترافاته: طمع الإخوة حين يتزيّا بعباءة القربى، وخصومات الميراث حين تتنكّر في لغة الودّ، وصراع السلطة والجاه حين يلبس قناع «الحق». في هذا المسرح الحجري، يصبح المكان شريكًا في الألم: يتألم، ويتفاعل، ويؤثّر. حتى الانحناءة على ظهر الأحدب تبدو كختمٍ قديم، دمغةٍ قاسية تنطبع على الجسد وعلى المصير معًا، فتضيق الخيارات وتنعدم الأنفاس.
وسط هذا المشهد، تظهر ذيبة من حيث لا ندري، لا تطل علينا كالشخصيات المعتادة، فها هي في كل مرة تتسلل علينا رويدًا رويدًا ويرافق حضورها حفيف لظل خفيف ولكنه ليس ضجيجًا، لا يحمل جملًا حوارية محفوظة عن ظهر قلب.. تجر خلفها صمتها وعواء ذئبة تبحث عن «جروها».. في كل مرة تطل علينا بتلك النظرة الغريبة، نغرق تستقر طويلًا في الذاكرة. شكران مرتجى لا ترفع صوتها، لكنها ترفع الإحساس مع كل رفعة حاجب لعينها المفقودة، إنها لا تشرح ولا تتكلم، إنها تتركنا نغرق أكثر وأكثر لكي تفهم.
«ديبة» في صمتها رهيبة
اختارت شكران مرتجى طريقًا صعبًا، عبرت بنا دهاليز «اقتصاد التعبير»، لا بكاء مسرحي، لا انفعال زائد.. فقط ارتعاشة يد، كتفٌ مشدود، نفسٌ ثقيل، وفي هذا الاقتصاد التعبيري يولد المعنى ودلالاتها اللامحدودة، معتمدة القاعدة الذهبية «خير الكلام ما قل ودل» ، رغم أنه لم تنطق ببنت شفة ولم يصدر عنها سوى تأوهات وبعض صرخات العواء، وكأن شخصيتها تقول: كلما انعدم الكلام، انبلج فجر الحقيقة.
تمثيليًا، قدّمت شكران في مسلسل «اليتيم» درسًا بالغًا في الصمت، فالجسد عندها نصٌ موازٍ، والكتف يرتفع مع كل لحظة خوف، وتقل حركتها حين يشتد الضغط، النظرة تثبت طويلًا ثم تنكسر. الإيقاع بطيء مقصود، يخلق توترًا صامتًا، والصمت نفسه ليس فراغًا، هو بالواقع جملة ممتدة بلا كلمات .. فإن الصمت أحيانًا أبلغ تعبير.
حتى الاسم، «ذيبة»، اسم على مسمى، يحمل دلالات عميقة الأثر في الوجدان والخيال الشعبي العربي، الذئب ليست شرًا مطلقًا خالصًا، فهو يرمز إلى مزيج متناقض من الصفات، أبرزها الغدر، الدهاء، والمكر، باعتباره خطرًا يهدد القطعان، وفي الوقت نفسه، يُنظر إليه كرمز للشجاعة، القوة، الصبر، وعزة النفس، كما يُطلق عليه البدو لقب «الابن البار» لبرّه بوالديه، و»ذيبة» هنا رمز نجاة وقسوة مفروضة مفترسة حين تُحاصر، حامية حين تُهدد، وهكذا هي الشخصية: قناع قسوة يخفي أصل ألم. تخيفك أولاً.. ثم تدعوك لفهمها.
لم تتكلم.. لكنها قالت كل شيء: ذيبة كما رآها الجمهور
في فضاء التواصل الاجتماعي لم تكن «ذيبة» مجرد شخصية تُشاهد، بل تجربة تُعاش. التعليقات التي رافقت عرض المسلسل لم تتوقف عند الحدث، بل ذهبت مباشرة إلى الإحساس الذي صنعته الشخصية في وجدان المشاهدين.
ففي تعليقات المتابعين على منصات التواصل الاجتماعي، بدا واضحًا أن الشخصية تجاوزت حدود المشاهدة إلى مساحة الشعور. فضجت حسابات «إنستغرام» و»إكس» بمشاهد من المسلسل يُظهر صمت «ذيبة» وتكررت عبارات مثل: «لم تتكلم.. لكنها أوصلت كل شيء»، و»هذه ليست شخصية.. هذا وجع حقيقي».
وفي تعليق آخر جاء: «»نخاف منها في البداية، ثم نشفق عليها، ثم نجد أنفسنا ندافع عنها»، هذه الجملة وحدها تختصر التحول الذي أحدثته الشخصية في وجدان المتلقي.
بعض المتابعين توقفوا عند الأداء الصامت تحديدًا، فكتب أحدهم: «كيف يمكن لنظرة واحدة أن تحمل كل هذا الألم؟». بينما أشار آخر إلى التحضير الشكلي للدور قائلًا: «المكياج مهم، لكن الإحساس هو الذي صنع الشخصية».
وفي مقاطع متداولة على «يوتيوب»، لاحظ المشاهدون التوتر الجسدي للشخصية، وعلّق أحدهم: « كتفها المشدود يخبرنا أكثر مما يفعل الحوار». كما وصفها أحد المتابعين بأنها «شخصية تُحسّ أكثر مما تُشاهد».
وعلى حساب drama.pss كتب أحد المتابعين:
«عندما ينسى الممثل أنه يُمّثل.. ديبة حتى في صمتها رهيبة ومبدعة، كل حركة وكل نظرة بتحكي مشاعر أعمق من الكلام. أداء شكران مرتجى في مسلسل اليتيم يُثبت أن التمثيل مو بس أفعال، بل إحساس صادق يوصل للناس من غير ما تحكي كلمة».
وفي تعليق آخر، عبّر الحساب A’ amer LB عن الأثر العاطفي للمشهد كتب: «كسرتلي قلبي لما سألا عرسان إذا عندا ولاد.. عيونا حكو، عيونا كانوا عم يمثلو، مبدعة كتير ومش غريب عليها هالشي.»
أما ميناس درويش فاختصر التفاعل بقراءة نقدية مباشرة: «مبدعة كالعادة، تستاهل جائزة أفضل ممثلة على هالدور يلي أخدتو».
وفي منشور متداول على حساب Max Plus جاء:
«في مسلسل اليتيم تؤكد شكران مرتجى أن الحضور أبلغ من الحوار. بشخصية ديبة جعلت الصمت لغة قائمة بذاتها، ونظراتها حملت إحساسًا صادقًا يغني عن أي كلام بدون تصنّع ولا تكلّف».
هذه الشواهد، كما وردت في تعليقات المتابعين على الحسابات التي نشرت مشاهد العمل، تكشف أن «ذيبة» لم تكن مجرد دور درامي، بل تجربة شعورية. الجمهور لم يناقش الحدث بقدر ما ناقش الإحساس. لم يسأل: ماذا ستفعل؟ بل قال: ماذا نشعر ونحن نراها؟
حين صمتت ذيبة.. تكلمت القلوب
ذيبة لا تعيش في الحدث، إنها تعشعش في الأثر، لا تقول كل شيء، فتتركنا تكملها ونتوقع ما تريد أن تقول، تعمل في اللاوعي لا في الحوار.. تمثل الجرح الذي لا اسم له، تعيش في شرنقة خوف مزمن، تتربع على عرش عزلةً صامتة، تصارع دفاعًا مميتًا عن أمر مجهول، تجمع ذيبة في شخص واحد كل صنوف التناقض، هي قاسية لكنها هشة، مخيفة لكنها موجعة، صامتة لكنها صاخبة في الداخل.
«ذيبة» ليست حالة درامية رمضانية، هي الصدمة نفسها والعقدة بحد ذاتها، هي ليست حادثة محددة، هي كم من الحوادث والانفعالات المتداخلة. من ما لم يلفته مشهد جسدها المترهل الدائم التأهب والاستعداد لجريان والذهاب إلى حيث هي نفسها لا تدري، عينها تبحث عن خطرٍ محتمل، وصمتها ليس عجزًا بقدر ما درعًا للدفاع، فهي ماهرة في المناورة، تقترب.. ثم تتراجع. تثق.. ثم تخاف، ولهذا تبني حول نفسها جدارًا من الصمت تحتمي خلفه ولكنها لا تخاف ولا تختبئ.
وهنا تتقاطع شخصية «ذيبة» مع شخصية «كوازيمودو»، أحدب نوتردام في أدب فيكتور هوغو. كلاهما منبوذ لأن الشكل يسبق الجوهر في حكم المجتمع.. هو احتمى بحجارة الكنيسة، وهي تحتمي بصمتها، هو كان يقرع الأجراس، وهي تقرع نوازعنا وحواسنا الداخلية، وتقرع جرس القلق في نفوسنا المضطربة دومًا، غير أن «ذيبة» أكثر تحوّلًا، لكونها ليست ضحية واحدة ثابتة، إنها شخصية تتشكل تحت الضغط، تتغير مع كل مواجهة.
وفي المقابل، إذا اقتربنا من الدراما الشامية الحديثة، نجد ظلًا آخر في شخصية «جمول» التي قدّمها خالد القيش في «مربى العز». هناك أيضًا جسدٌ منحنٍ ووجه يحمل أثر المعاناة، «جمول» عاش على هامش الحارة، و»ذيبة» تعيش على هامش الأمان، لكن الفارق أن «جمول» كان صرخة مباشرة، فعلًا صادمًا في العلن، بينما «ذيبة» مقاومة صامتة في الداخل، فنجد «جمول» يواجه المجتمع بالقول والفعل، و»ذيبة» تواجهه بالصمت والأثر. كلاهما كشف قسوة النظرة التي تحاكم الشكل قبل الإنسان، غير أن «ذيبة» جعلت الألم أكثر خفاءً.. وأشد رسوخاً.
الشخصيات التي يمكن تصنيفها تُنسى. أما التي تحيّرنا.. فتبقى
ذيبة لا ولم تطلب التعاطف، إنها تجرنا من أيدينا ومن عقولنا ومن قلوبنا نحوها، فتفرض تعاطفنا معها ببطء فتتسرب إلى أحاسيسنا كما يمر المصل في عروقنا ببطء ولكن بأثر ملموس.
«ذيبة» لا تقول: انظروا كم أتألم، هي فقط تقف ساكنة، ونحن تقترب منها وندنو شيئًا فشيئًا، لتجد أنفسنا دون إرادتنا داخلها.
وحين ينتهي المشهد.. لا تنتهي «ذيبة».
لا نتذكر كلماتها التي لا تنطق بها، فلا ذاكرة لنا عنها سوى حشرجة الاختناق في صمتها، والقلق في كتفها، والغموض في عينها اليتيمة.. إنها شخصية تُرى.. ثم تُسكنك.
وحين تخفت الأضواء، وتُغلق الشاشة، وتعود الأزقة إلى صمتها.. تبقى ذيبة وحدها دون سواها راسخة في مخيلتنا وفي ذاكرة صمتنا.
** **
- سعيد الحسنية