في الثاني والعشرين من فبراير، ومع إشراقة يوم الأحد الخامس من رمضان لعام 1447هـ، تقف المملكة العربية السعودية شامخة لتستذكر فصلاً مجيداً من تاريخها العريق. إنه «يوم التأسيس»، المناسبة «التي تفتح أمامنا صفحة تمتد ثلاثة قرون من الأمجاد والوحدة، إلى لحظة وضع اللبنات الأولى لهذا الكيان العظيم على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1139هـ (1727م)، لتبدأ مسيرة دولة ارتكزت في دستورها على القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأرسيت دعائم الوحدة بعد قرون من التشتت.
انطلقت مسيرة الدولة من الدرعية، العاصمة التي تحولت إلى مركز جذب اقتصادي وثقافي، لترسي دعائم الوحدة والأمن في الجزيرة العربية بعد أزمان من التشتت والفرقة. ويأتي الاحتفاء بهذا اليوم اعتزازاً بالجذور الراسخة، واستذكاراً لتضحيات الأجداد الذين صمدوا أمام التحديات.
= وعلى خطى التأسيس، تجلى دور الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- كقائد فذ استعاد الرياض عام 1319هـ (1902م). نجح الملك عبدالعزيز في إنهاء فوضى سياسية دامت سنوات، واستطاع بعبقرية استثنائية توحيد القلوب والبلاد تحت اسم «المملكة العربية السعودية»، ليصيغ هوية وطنية جامعة نقلت المجتمع من النزاعات القبلية إلى شعب واحد تجمعه راية التوحيد.
شكل «استتباب الأمن» الهاجس الأكبر والمهمة الأولى للملك المؤسس، إدراكاً منه بأن التنمية لا تتحقق في غياب الاستقرار. قضى الملك عبدالعزيز على ظواهر السلب والنهب التي أرقت قوافل الحجاج والمسافرين، وطبق العدالة والمساواة في كافة أرجاء البلاد، لتتحول الجزيرة العربية إلى واحة للأمان. هذا الأمن التاريخي هو الحصن المنيع الذي سمح للمملكة بالتركيز على بناء الإنسان، وتطوير التعليم، واستثمار الثروات الوطنية.
= تتجلى اليوم ثمار تلك المسيرة في نهضة شاملة يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-. ومن خلال «رؤية السعودية 2030»، انتقلت المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة في المجالات كافة.
فعلى صعيد النهضة المعاصرة، انتقلت المملكة إلى مصاف الدول المتقدمة بفضل رؤية السعودية 2030، تحولت البلاد اقتصادياً إلى قوة استثمارية عالمية ومركز لوجستي يربط القارات، مع بروز شعار «يوم بدينا» ثقافياً بهويته البصرية الثرية ليؤكد للعالم تناغم التقدم التقني مع الأصالة العربية ورموزها المتمثلة في الخيل والنخلة والسوق والمجلس، وصولاً إلى تحقيق أعلى معايير جودة الحياة عبر بناء مدن ذكية ومشاريع سياحية عالمية، ترافقها نهضة اجتماعية شملت تمكيناً واسعاً للشباب والمرأة في كافة مفاصل الدولة.
تزامن يوم التأسيس مع شهر رمضان المبارك يمنح الاحتفال هذا العام صبغة روحانية ووطنية فريدة. إنها ذكرى لتعزيز الانتماء وتجديد العهد على المضي قدماً نحو مستقبل أكثر إشراقاً، مؤكدة أن الحكاية التي بدأت في الدرعية مستمرة في كل شبر من وطننا الغالي، لتثبت أن الجذور الراسخة تثمر دائماً مجداً مستمراً.
** **
- سامي بن ناصر الدريويش