يُعد يوم التأسيس السعودي محطةً وطنيةً بارزة في تاريخ المملكة العربية السعودية، إذ يعكس هذا اليوم عمق الجذور التاريخية والهوية الثقافية التي تُشكِل روح المجتمع السعودي. ففي كل عام، يتوقف السعوديون للتأمل في مسيرة أكثر من ثلاثة قرون، منذ أن وضع الإمام محمد بن سعود لبنة البداية لتأسيس الدولة السعودية الأولى في عام 1727م، وسط تحديات سياسية واجتماعية كانت تُهدِّد استقرار المنطقة.
يمثل يوم التأسيس أكثر من مجرد ذكرى تاريخية؛ إنه احتفالٌ بالهوية الوطنية وفخرٌ بالماضي العريق الذي عرف بالشجاعة والتماسك والإرادة القوية. ففي تلك الحقبة، استطاع الإمام محمد بن سعود أن يؤسس كيانًا سياسيًا واجتماعيًا قويًا، يعتمد على مبادئ العدل والتعاون بين القبائل، ويضع أسس دولة متماسكة قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية. وقد نجح في توحيد أجزاء كبيرة من نجد، الأمر الذي أظهر قوة شخصيته السياسية والاجتماعية.
يعيد الاحتفال بهذا اليوم إلى الأذهان كيف أن تأسيس الدولة السعودية الأولى لم يكن مسارًا سهلاً، بل كان نتيجة رؤية شاملة تجمع بين البناء الاجتماعي والتنظيم الإداري والاعتماد على روح الجماعة. ولم يقتصر الأمر على الحروب أو الحملات العسكرية فقط، بل شمل أيضًا الاهتمام بالقضاء، وتحصين المدن، وتأسيس أنظمة اقتصادية توفر العدالة والاستقرار للمجتمع.
واليوم، يخرج الناس في مختلف مناطق المملكة بملابسهم التراثية، ويؤدون فعاليات ثقافية متنوعة تعكس الهوية السعودية المتجذرة. وتشهد المدارس والجامعات فعاليات تعليمية تهدف إلى تعريف الطلاب بتاريخ وطنهم، بينما تنظم الجهات الثقافية معارض وورش عمل تُبرز التراث الحضاري الذي يربط الماضي بالحاضر.
ولا يقتصر التقدير على الماضي فقط، بل يرتبط يوم التأسيس بفهم أعمق للهوية الوطنية في ظل رؤى حديثة تسعى إلى تطوير المجتمع وتمكين الأجيال الجديدة من حمل الراية إلى المستقبل. فالمعرفة بتاريخ الأجداد وتقدير جهودهم تُعد أساسًا لفهم حقيقي للهوية، وتُعزِّز شعور الفخر لدى كل سعودي وسعودية.
في الختام، يظل يوم التأسيس السعودي احتفالًا بعمق الجذور، وفخرًا بتاريخ مشرف، ودرعًا يلتف حوله الجميع ليؤكدوا أن الوطن يبنى بالعمل والإيمان، وأن الهوية الوطنية قيمة تُغذَّى بالتاريخ وتحيا بالحاضر.
** **
- د. طارق عطية السلمي