في الثاني والعشرين من فبراير، ومع إشراقة شمس المجد التي تزامنت في عامنا هذا مع روحانية شهر رمضان المبارك، تقف المملكة شامخة لتروي للعالم فصلاً فريداً من تاريخها المجيد، وهو يوم التأسيس الذي يفتح أمامنا صفحة تمتد لثلاثة قرون من البطولات والوحدة، فمنذ لحظة وضع اللبنات الأولى لهذا الكيان العظيم على يد الإمام محمد بن سعود في الدرعية عام 1139هـ، بدأت مسيرة دولة ارتكزت في دستورها على كتاب الله وسنة نبيه، وأرست دعائم الأمن بعد قرون من التشتت والفرقة، ليكون هذا اليوم شاهداً على العمق التاريخي والحضاري للدولة السعودية التي صمدت أمام كافة التحديات وبقيت جذورها ضاربة في أعماق الأرض.
الاحتفاء بهذا اليوم، بناءً على الأمر الملكي السامي من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، هو اعتزاز بالجذور الراسخة وارتباط وثيق بين المواطنين وقادتهم، واستحضار لصمود الدولة السعودية الأولى التي جعلت من الدرعية منارة للعلم والثقافة، واستذكار لنهوض الدولة السعودية الثانية على يد الإمام تركي بن عبدالله الذي استعاد الحلم بعد سنوات قليلة من الهدم، وصولاً إلى الملحمة الكبرى التي قادها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي استرد الرياض ووحّد القلوب والبلاد تحت راية التوحيد، لتنطلق مرحلة الاستقرار الكبرى التي نعيش ثمارها اليوم، لقد تحولت الجزيرة العربية بفضل عبقريته السياسية وإيمانه الراسخ من ساحة للصراعات والنزاعات القبلية إلى واحة للأمان والرخاء.
وعلى هدي ذلك الإرث العظيم، تشهد المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان، حفظهما الله، نهضة عمرانية وتنموية هي الأضخم في تاريخ المنطقة، تحولت الرؤية الطموحة 2030 إلى واقع ملموس يعانق السحاب، لم تعد المملكة تكتفي بمواكبة التطور، بل تقدمت لتصنع معاييره العالمية. تتجلى هذه النهضة في تحويل المدن السعودية إلى مختبرات عالمية للابتكار المعماري، وتُبنى الآن مدن ذكية مستدامة تتجاوز الخيال البشري، تمثل ثورة في مفهوم العيش الحضري وتجتمع فيهما التقنية الفائقة مع المحافظة الكاملة على الطبيعة، بينما تعيد مشاريع مثل القدية والبحر الأحمر صياغة مفهوم الوجهات السياحية والترفيهية العالمية وفق أعلى معايير الجودة والاستدامة.
الطفرة العمرانية الحالية لا تقتصر على ضخامة المباني بل تمتد لتمكين التكنولوجيا الحديثة مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد والروبوتات في البناء، مع حرص القيادة الرشيدة على بقاء الهوية السعودية حاضرة في كل حجر يوضع، ويتم دمج الطراز المعماري النجدي والتراثي الأصيل في أرقى التصاميم المعاصرة، مما يخلق تناغماً فريداً بين «يوم بدينا» وبين المستقبل الذي نصنعه بأيدينا، كما شملت هذه النهضة تطوير البنية التحتية والمطارات والموانئ لتصبح المملكة مركزاً لوجستياً يربط القارات الثلاث، مما يعزز من جودة الحياة للمواطن والمقيم، ويفتح آفاقاً اقتصادية غير مسبوقة تضمن استدامة الرخاء للأجيال القادمة، وهذا التطور المتسارع هو الثمرة الحقيقية للأمن والاستقرار الذي وضع بذرة تأسيسه الإمام محمد بن سعود وسقاها الملك عبدالعزيز بعرقه وجهده.
واليوم.. ونحن نستشعر عظمة الماضي وطموح المستقبل، نرفع أكف الضراعة للمولى عز وجل أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين محمد بن سلمان، وأن يديم على هذه البلاد المباركة أمنها وأمانها وعزها، وأن يبارك في شعبها الأبي الذي أثبت للعالم أن عزيمته لا تلين، فالمملكة قصة نجاح ملهمة تجمع بين أصالة الدرعية وطموح المستقبل، وهي رسالة سلام وبناء للعالم أجمع، سائلين الله أن يحمي وطننا من كل سوء وأن يوفق قيادتنا لكل ما فيه خير البلاد والعباد، لتظل السعودية منارة شامخة في قلب العالم، وجذراً راسخاً يثمر مجداً مستمراً وحضارة لا تعرف الحدود، فمن الدرعية انطلقت الحكاية، وفي كل شبر من وطننا الغالي تستمر المسيرة نحو القمة.
** **
- م. حامد بن حمري