تعد القيم والعادات السعودية إحدى الركائز التي يقوم عليها المجتمع، فهي تمثل الإطار الأخلاقي والسلوكي الذي يوجه حياة الأفراد، ويعكس أصالة الهوية الوطنية للمملكة. وقد تبلورت هذه القيم من تعاليم الدين الإسلامي الذي يشكل المرجعية الأولى للمجتمع، ومن البيئة العربية الأصيلة التي عُرفت بالكرم والشجاعة وحفظ الحقوق وصلة الرحم.
وتتجلى القيم السعودية في مختلف مظاهر الحياة اليومية، مثل الاحترام المتبادل، وتقدير الكبير، والتمسك بروح التكافل الاجتماعي، إلى جانب العناية بالأسرة والاهتمام بالعلاقات الاجتماعية. كما تُعد قيم الضيافة والكرم من أبرز سمات الشخصية السعودية التي اكسبت المجتمع مكانة مميزة في محيطه العربي والإسلامي.
ومع التطور الذي تشهده المملكة، ما زالت هذه القيم تحتفظ بمكانتها المركزية، حيث تسهم في تحقيق التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وتؤدي دورًا مهمًا في تعزيز الانتماء الوطني، وتشكيل منظومة متكاملة تدعم التنمية وتواكب التغيرات الحديثة دون أن تفقد جذورها المتأصلة في التاريخ والثقافة. ومن أبرزها:
الكرم
الكرم سخاء الإنسان وبذله للمال لمن يحتاجه من الآخرين واعتناؤه بإكرام الضيف والإحسان إليه. وهي سمة أصيلة متجذرة في نفوس قادة المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على يد الإمام محمد بن سعود، حيث تجلت عبر تاريخها في إكرام الضيف، وإغاثة المحتاج، ومد يد العون داخليا وخارجيا، فعلى سبيل المثال: اشتهر الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بالجود والكرم، فقد كان العطاء عنده طبعا أصيلا، وانفرد بكرمه حتى قبل ظهور النفط، فقد اعتاد أن يغدق بالعطايا على المحتاجين، ويُرسل السيارات المحملة بالنقود والأرزاق والملابس لتوزّع على مختلف المناطق، كما كانت الوفود تأتيه إلى الرياض من شتى الجهات، بل من خارج البلاد، فيقيمون لديه الأشهر الطويلة التي تصل إلى ستة أشهر، فيحسن استقبالهم ويفتتح لهم المضائف ويكرمهم جميعًا، ويمنحهم ما يجود به من عطايا وهبات.
وقد امتد كرم الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ليشمل ضيوفه من داخل المملكة وخارجها، إذ كان مجلسه عامرًا بالوفود والقادمين إليه في كل وقت.
ويذكر حافظ وهبة أن عدد ضيوفه الدائمين لم يكن يقل عن خمسمئة شخص يوميا، وقد يصل في بعض الأيام إلى عشرة آلاف. فتزدحم بهم بيوت الرياض، وتصلهم الذبائح من القصر ليجد كل واحد ما يكفيه من الطعام والضيافة.
ومع كل ما عُرف به الملك عبدالعزيز - رحمه الله - من سخاء وكرم، كان يرى أن العطاء ليس تباهيًا، بل واجباً مسؤولاً، فقد كان يقول لبعض جلسائه: «يقول الناس إني كريم، وما أنا بكريم؛ إنما أعطي حين يجب العطاء، وأمنع حين يجب المنع». وهكذا
كان عطاؤه مدروسًا، يغدق على المحتاجين ويكرم الضيوف، وفي الوقت نفسه يحافظ على الوارد ويوازن بين العطاء والحكمة. وقد امتد هذا التقليد الأصيل إلى المجتمع السعودي ككل، حيث يحظى الضيف بالترحيب والاحترام والكرم منذ القدم، وهو جزء أساسي من العادات والتقاليد المتوارثة، فالضيف يُقدَّر ويُكرم ويشعر دائما بأنه بين أهله، بعيدًا عن أي شعور بالغربة، وذلك بفضل تقاليد الضيافة المتنوعة في جميع أنحاء المملكة.
وتتجلى مظاهر هذا الكرم في استقبال الضيوف بالتحية الحارة، وتقديم القهوة السعودية والتمور، كرمز للضيافة الأصيلة التي تعكس أصالة المجتمع السعودي وقيمه.
الشجاعة
في صفحات التاريخ السعودي، تتجلى الشجاعة لا كصفة طارئة، بل كقيمة أصيلة قابعة في وجدان القادة الذين حملوا راية الدولة، حيث كان جميع أئمة الدولة السعودية الأولى والثانية وملوك للمملكة العربية السعودية فرسانا وقادة للجيوش.
وقد تجلت هذه الصفة في شخصية الملك عبدالعزيز -رحمه الله- كإحدى أبرز سماته القيادية التي مكنته من توحيد البلاد وتأسيس الدولة السعودية الحديثة، فقد نشأ في بيئة تتطلب الإقدام وقوة العزيمة، فخاض المعارك وواجه التحديات بروح لا تعرف التردد معتمدًا على إيمانه العميق بالله، وثقته بنفسه. وحكمته في إدارة المواقف.
ويؤكد الملك عبدالعزيز نفسه هذا المعنى في أحد مجالسه الخاصة بقوله: «لست أشجع الناس، ولكن إذا كانت للمعركة ذات بال، وسيعقبها أمر فاصل ونفوس المسلمين في خطر، فإني آتي من الأعمال بما لا يأتيه غيري في المعركة».
عرف الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- بشجاعته النادرة وفروسيته الفذة؛ فلم يكن ينتظر خصمه ليهاجمه، بل كان يبادر بخطوات مدروسة، معتمدًا على جمع المعلومات والاستخبارات قبل أي مواجهة، ونادرا ما خاض معركة في أرض يجهل طبيعتها، إذ كان يبعث من يستطلع أوضاعها بدقة قبل الدخول إليها.
وقد تميز -رحمه الله- ببالغ الاحتياط في الإعداد للمعارك، فكان يفترض في خصمه قوة تفوق قوته أضعافا، الأمر الذي زاده حذرًا وحكمة، وجعل شجاعته ممتزجة بالعقل والتخطيط السليم.
وهكذا، لم تقتصر شجاعة الملك عبدالعزيز على ميادين القتال وإدارة الحروب، بل تجلت أيضًا في حياته اليومية بعد تأسيس المملكة، حين واجه التحديات بروح القائد الواثق ورؤية رجل الدولة الحكيم.
الترابط بين المجتمع
يتميز المجتمع السعودي بروح التكافل والترابط القائمة على القيم الأسرية والدينية والاجتماعية، حيث تشكل الأسرة أساس الحياة الاجتماعية، وتلعب صلة الرحم وزيارات الأقارب والجيران دورًا كبيرًا في تعزيز الروابط بين الأفراد، كما تعكس العادات والتقاليد، مثل الضيافة وإكرام الضيوف والاحتفاء بالمناسبات والأعياد مدى اهتمام للمجتمع بالتواصل الاجتماعي والحفاظ على الروابط بين أفراده.
وتسهم هذه الممارسات في تعزيز الاحترام المتبادل والشعور بالانتماء الاجتماعي، مما يجعل المجتمع السعودي مجتمعا مترابطا يتمسك بأصالته وقيمه التقليدية.
الأصالة
تجلت أصالة المجتمع السعودي في حرصه العميق على الحفاظ على للموروث الثقافي والاجتماعي، الذي يعكس تاريخ المملكة وهويتها الوطنية. فقد عملت الأجيال على نقل العادات والتقاليد والفنون الشعبية والممارسات الاجتماعية من جيل إلى آخر، لتبقى حية في الحياة اليومية.
ويُظهر هذا التمسك بالموروث قدرة المجتمع السعودي على الجمع بين الأصالة والتجدد حيث تحافظ القيم والعادات التقليدية على هويته.
الاعتزاز بالهوية
يُعد الاعتزاز بالهوية الوطنية من الركائز الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات، فهو يعكس ارتباط الأفراد بتاريخهم وثقافتهم وقيمهم الأصيلة. وفي المملكة العربية السعودية تجلّى هذا الاعتزاز من خلال التمسك بالموروث الديني والثقافي والاجتماعي والحفاظ على العادات والتقاليد التي تمثل امتدادًا لجذور راسخة في تاريخ الوطن.
كما يسهم الاعتزاز بالهوية في تعزيز الانتماء الوطني وترسيخ الوحدة بين أبناء للمجتمع، ويظهر أثره جليا في مختلف مظاهر الحياة، سواء في اللغة أو الزي أو المناسبات الوطنية.
وتمثل الهوية السعودية ركيزة للاستقرار والتلاحم وعنصرا فاعلا في مواجهة تحديات العولة والانفتاح مع الحفاظ على الأصالة والقيم.