في كل عام، ومع حلول الثاني والعشرين من فبراير، نستحضر ذكرى خالدة في وجدان الوطن؛ ذكرى يوم التأسيس، اليوم الذي يرمز إلى العمق التاريخي للدولة السعودية الممتد لأكثر من ثلاثة قرون، منذ أن أرسى الإمام محمد بن سعود دعائم الدولة الأولى عام 1727م.
هذا اليوم ليس مجرد احتفاءٍ بتاريخٍ سياسي، بل هو استحضارٌ لهويةٍ متكاملة، تتجلى في الثقافة، والعادات، والفنون، والأزياء التي شكّلت عبر العصور مرآةً صادقةً لروح المجتمع السعودي.
الأزياء.. لغة التاريخ الصامتة
بوصفي باحثةً وخبيرةً في الأزياء التراثية السعودية، أرى في يوم التأسيس فرصةً لإعادة قراءة تفاصيل موروثنا البصري. فالأزياء التقليدية لم تكن يومًا مجرد قطع قماش، بل كانت تعبيرًا عن الانتماء الجغرافي، والمكانة الاجتماعية، والهوية الثقافية لكل منطقة من مناطق المملكة.
من أزياء المنطقة الوسطى التي عكست بساطة البيئة النجدية وعمقها، إلى أزياء المنطقة الغربية المزدانة بتأثيرات تجارية وحضارية عريقة، مرورًا بألوان الجنوب الزاهية وتطريزاته المميزة، وصولًا إلى أزياء الشمال والشرق التي تحمل بصمة الصحراء والبحر.. كلها تشكّل لوحة وطنية واحدة، تتناغم رغم تنوعها.
يوم التأسيس.. استعادة للهوية
إن احتفاءنا بيوم التأسيس يعيد للأزياء التراثية مكانتها في المشهد الوطني، فنراها اليوم حاضرة في الفعاليات الرسمية، وفي المدارس، وفي منصات الإبداع، لتؤكد أن الماضي ليس ذكرى جامدة، بل مصدر إلهام متجدد.
لقد أصبحت الأزياء التراثية جزءًا من السردية الوطنية الحديثة، تُعبّر عن الفخر بالجذور، وتربط الأجيال الجديدة بتاريخهم بطريقة معاصرة تليق برؤية وطن طموح.
بين الأصالة والمعاصرة
ما يميز المرحلة الراهنة هو قدرتنا على المزج بين الأصالة والتجديد. فالمصممون السعوديون اليوم يستلهمون تفاصيل التراث ليقدموها بروح عصرية، تعكس حيوية المجتمع السعودي وتطوره، في ظل رؤية السعودية 2030 التي جعلت من الثقافة والتراث ركيزةً أساسيةً في مسيرة التنمية.
يوم التأسيس يذكّرنا بأن هويتنا ليست خيارًا، بل مسؤولية. وأن الحفاظ على الأزياء التراثية ليس مجرد اهتمام جمالي، بل واجب ثقافي وتاريخي يعكس احترامنا لرحلة وطنٍ صنع مجده بالصبر والعزيمة.
كلمة أخيرة: في يوم التأسيس، نرتدي تاريخنا فخرًا، ونحمله رسالةً للأجيال القادمة.
هو يومٌ نحتفي فيه بالجذور، ونجدّد فيه العهد للوطن، ونؤكد أن الهوية السعودية ستظل نابضة بالحياة، متجذرة في الماضي، وممتدة بثقة نحو المستقبل.
كل عام والسعودية شامخة بتاريخها، مزدهرة بأبنائها، ومتألقة بتراثها.
** **
د. رانية خوقير - خبيرة الأزياء التراثية السعودية