في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، لا تقتصر العودة إلى بدايات مشروع التوحيد على استحضار الوقائع الكبرى التي قادت إلى قيام المملكة العربية السعودية، بل تتيح كذلك إعادة قراءة الوثائق التي كُتبت في لحظة الحدث نفسه؛ قبل أن تتحول الوقائع إلى روايات تاريخية مستقرة، وقبل أن تتشكل حولها الكتابة اللاحقة.
وقد وقفتُ على إحدى هذه الوثائق أثناء إعدادي دراسة تاريخية بعنوان «السنة الأولى من استعادة الرياض في ضوء أخبار صحيفة الأهرام المصرية (1319 - 1320هـ/ 1902 - 1903م): قراءة تحليلية ومقارنة مع ما جاء في المصادر المحلية»، نشرتها مجلة الجمعية التاريخية السعودية التابعة لجامعة الملك سعود في عددها الصادر في يونيو 2026م. وقد كشفت الدراسة، من خلال فحص أعداد «الأهرام» المعاصرة للحدث ومقارنتها بالمصادر التاريخية اللاحقة، عن رسالة نادرة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، تمثل شهادة مباشرة مبكرة ونادرة على استعادة الرياض في أيامها الأولى.
من بين تلك الوثائق تبرز رسالة نادرة للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، مؤرخة في 6 شوال 1319هـ، أي في اليوم التالي مباشرة لاستعادة الرياض التي تمت في الخامس من شوال 1319هـ الموافق 15 يناير 1902م. وقد نشرتها صحيفة «الأهرام» المصرية في عددها رقم 7279 الصادر يوم الأربعاء 18 ذي القعدة 1319هـ الموافق 26 فبراير 1902م، بعدما أوضحت أن كاتبها في مسقط نسخ الرسالة وأرسلها إلى الصحيفة، مؤكدة أنها تنشرها «بالحرف دون زيادة ولا تبديل ولا تصحيح».
هذه العبارة الأخيرة مهمة؛ لأنها تنقل الرسالة من مجرد مادة صحفية إلى نص يمكن إخضاعه للتحليل اللغوي والتاريخي، مع ضرورة التمييز بين ألفاظ الرسالة الأصلية وبين بعض التفسيرات التي أضافها محرر الصحيفة بين قوسين.
فالملك عبدالعزيز لا يبدأ رسالته بسرد مطول أو خطاب سياسي موسع، وإنما يدخل مباشرة بعد التحية إلى جوهر الخبر: «ونعرف جنابك بما من الله به علينا فانا توجهنا يم ديرتنا».
وتستوقف القارئ هنا، قبل مضمون العبارة، لغتها نفسها. فقوله «يم ديرتنا» يحمل ملمحًا واضحًا من لهجة أهل العارض في تلك المرحلة؛ فـ«يم» بمعنى «ناحية» أو «باتجاه»، و «ديرتنا» في السياق تعني الرياض، موطن أسرته ومركز حكم آبائه. أما العبارة التي أضافتها الصحيفة بين قوسين: «يريد بذلك أنه توجه إلى الرياض مدينة آبائه»، فهي تفسير من الناقل وليست جزءًا من أصل خطاب الملك.
وتزداد قيمة النص اللغوية حين يقول: «ثم طمرنا في بيت العجلان». فلفظ «طمرنا» في لهجة أهل العارض يعني قفزنا أو وثبنا، وليس «كمنا» كما فسرها كاتب الصحيفة. وهذه المفردة المحلية الدقيقة تمنح النص ملمحًا لغويًا لافتًا؛ إذ تنتمي إلى البيئة اللغوية لأهل العارض، فيما يكشف تفسير الصحيفة لها بـ»كمنا» عن عدم إدراك الناقل معناها المحلي الدقيق. وقد نبهت الدراسة إلى أن تفسير الصحيفة لكلمة «طمرنا» بـ»كمنا» غير صحيح، وأن معناها في لهجة أهل العارض هو القفز.
فالصحيفة كتبت «الحجلان»، بينما الصواب «العجلان»، أي عجلان عامل ابن رشيد على الرياض، وهو خطأ نسخي لا يغير من بنية الرواية. كما ورد في النص أن واحدًا من رجال الحامية «تخشف في بيت»، وهي كتابة تبدو ناتجة عن النقل أو الطباعة؛ لأن التعبير المعروف في لهجة أهل العارض هو «انخش»، أي اختبأ.
أما كلمة «الذلول»، فقد فسرتها الصحيفة بأنها «الهجين»، في حين أن استعمالها النجدي يدل على ما ذُلّل من الإبل وصار صالحًا للركوب بعد عسفه. وهنا مرة أخرى تكشف الفروق بين النص والتفسير الصحفي شيئًا مهمًا: العبارات المحلية في أصل الرسالة تبدو أكثر اتصالًا ببيئتها النجدية من الشروح التي حاول محرر بعيد عن تلك البيئة أن يضعها لها.
لا تكمن قيمة الرسالة في لغتها وحدها. فاللافت أنها تقدم، في بضعة أسطر، تسلسلًا عملياتيًا بالغ الوضوح. يذكر الملك عبدالعزيز التوجه نحو الرياض، ثم الوصول ليلًا، والدخول إلى بيت قريب من بيت عجلان، ثم الانتقال إلى البيت نفسه، والانتظار حتى فتح الباب، ثم تنفيذ الهجوم.
فيقول: «وألفينا الساعة بالسادسة من الليل... وقعدنا فيه إلى ما جاء الساعة بالثنتين من النهار ففتحوا فتحة الباب فركضنا عليهم ودخلنا عليهم مع الفتح». هذا ليس وصفًا أدبيًا لاحقًا للمعركة، بل تقرير موجز صادر من قائدها في اليوم التالي. ولذلك تكتسب الإشارات الزمنية فيه أهمية خاصة.
تشير الدراسة إلى أن عبارة «الساعة السادسة من الليل» تُفهم على ضوء نظام التوقيت الغروبي المستخدم آنذاك، وأن البناء الزمني العام للرسالة ينسجم مع الروايات التاريخية اللاحقة التي تتفق على الدخول ليلًا، ثم انتظار اللحظة المناسبة حتى الصباح، قبل تنفيذ الهجوم عند خروج عجلان وحرسه. كما أن تحديد «الساعة بالثنتين من النهار» يمثل شاهدًا مبكرًا يساعد في ضبط التسلسل الزمني للعملية.
وتتضح الطبيعة التقريرية للرسالة أكثر في الأرقام التي يسجلها الملك عبدالعزيز عقب السيطرة على القصر. فهو لا يكتفي بإعلان النصر، وإنما يذكر ما وجد فيه: «وفيه مايتا صمعا... وماية سيف وخمسة عشر فرسا وستين ذلولاً».
و»الصمعا»، وفق تفسير الخبر، اسم لبندقية مارتيني هنري. وتكتسب هذه البيانات أهميتها لأنها تقدم إحصاءً مباشرًا للموجودات العسكرية عقب استعادة الرياض: مائتا بندقية، ومائة سيف، وخمسة عشر فرسًا، وستون ذلولًا. وتشير الدراسة إلى أن بعض المصادر اللاحقة ذكرت وجود غنائم من السلاح والعتاد، لكنها لم تقدمها بالإحصاء التفصيلي نفسه الذي حملته هذه الرسالة المعاصرة.
هذه الأرقام ليست تفصيلًا هامشيًا. فهي تكشف أن الرسالة لم تكن مجرد «بشارة» بالاستعادة، بل تسجيلًا أوليًا للنتيجة العسكرية وما ترتب عليها من انتقال مركز السلطة وما يحتويه من سلاح ووسائل حركة إلى يد القيادة الجديدة. وفي بيئة كانت فيها البنادق والخيل والإبل جزءًا أساسيًا من القدرة العسكرية، يصبح تسجيلها جزءًا من وصف واقع القوة بعد السيطرة على الرياض.
أما العبارة الأكثر دلالة في الرسالة، في تقديري، فهي ما كتبه الملك عبدالعزيز بعد وصف انتهاء المواجهة: «نرجو من الله أن ينصفنا من تاليهم مثلما أنصفنا من أولهم».
هذه الجملة القصيرة تكشف أن صاحب الرسالة لم ينظر إلى استعادة الرياض باعتبارها نهاية للصراع. ويمكن أن تُقرأ عبارة «تاليهم» في سياق استمرار الصراع مع القوة خارج الرياض، بما يوحي بأن ما تحقق داخل المدينة لم يكن في نظر الملك عبدالعزيز نهاية للمواجهة، بل مرحلة أولى يعقبها صراع لم يُحسم بعد. وقد قرأت الدراسة هذه العبارة بوصفها دلالة استشرافية على الطابع المرحلي لاستعادة الرياض في مشروع استعادة الدولة.
ولعل هذا ما يمنح الرسالة أحد أهم أبعادها السياسية. فالملك عبدالعزيز، في اليوم التالي لاستعادة الرياض، لا يكتب بلغة قائد يعتقد أن المهمة انتهت، وإنما بلغة رجل يدرك أن ما وقع داخل المدينة غيّر نقطة البداية فقط، وأن ما بعده يحتاج إلى تثبيت وحماية ومواجهة قوى لا تزال قادرة على الرد.
حتى خاتمة الرسالة لا تخلو من الدلالة: «وقد أحببنا بشارتكم مع إخواننا وبلغ السلام لمن لديك عزيز ومن لدينا الإخوان يسلمون ودم سالماً محروساً». فهي تكشف عن شبكة اتصال اجتماعية وسياسية قائمة قبل الحدث. والمرسل إليه لا يذكر بالاسم، لكن صيغة الخطاب تدل على معرفة سابقة ومودة وتواصل بين الطرفين. كما أن عبارة «بشارتكم» تكشف أن إيصال خبر استعادة الرياض إلى الدوائر التي يعرفها الملك عبدالعزيز كان جزءًا من أول الإجراءات التالية للحسم العسكري.
وتكتسب هذه النقطة قوة إضافية عند مقارنتها برواية منسوبة إلى الملك عبدالعزيز يذكر فيها أنه بعد استقرارهم يومًا وليلة شرعوا في بناء السور، ثم أرسلوا بالبشارة إلى الشيخ مبارك ووالده وطلبوا المدد. وهو ما ينسجم زمنيًا مع تأريخ الرسالة في 6 شوال 1319هـ، اليوم التالي مباشرة لاستعادة الرياض.
ولا يعني ذلك أن الرسالة وحدها تكفي لإعادة بناء جميع تفاصيل استعادة الرياض، ولا أن كل لفظ وصل إلينا عبر الصحيفة خالٍ من أخطاء النسخ أو الطباعة. بالعكس؛ فوجود ألفاظ مثل «الحجلان» بدل «العجلان»، و«تخشف»، وتفسير «طمرنا» تفسيرًا غير دقيق، يفرض التعامل مع النص بمنهج التحقيق: الحفاظ على ما نشرته الصحيفة كما هو، ثم تفسير مواضع الخطأ في ضوء اللغة المحلية والمصادر الأخرى.
لكن هذه الأخطاء نفسها لا تضعف القيمة الأساسية للنص؛ بل تساعد أحيانًا على التمييز بين لغة الرسالة ولغة الناقل. ويعزز ذلك احتمال أن الناقل كان يتعامل مع نص ذي بيئة لغوية مختلفة عن بيئته، لا نص أعاد صياغته بالكامل بلغته. وتتعزز قيمة الرسالة كذلك من خلال المقارنة العددية مع الرواية اللاحقة المنسوبة إلى الملك عبدالعزيز. ففي الرسالة ورد: «ذبحناهم خمسين راجلاً ما شرد منهم إلا واحد».
وفي الرواية التفصيلية اللاحقة يذكر أن الخصوم كانوا نحو ثمانين، وأن نصفهم قتل، وسقط آخرون من الجدار، ثم حوصر الباقون وأُمّنوا. ولا ترى الدراسة في ذلك تناقضًا مباشرًا، وإنما اختلافًا بين رسالة قصيرة تسجل النتيجة فورًا ورواية لاحقة تفصل مصائر مجموعات مختلفة من رجال الحامية.
من هنا تأتي الأهمية الحقيقية لهذه الرسالة في ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين. فهي لا تقدم لنا الملك عبدالعزيز كما صاغته الذاكرة بعد اكتمال مشروع التوحيد، وإنما تتيح لنا أن نقرأ صوته في 6 شوال 1319هـ، يوم كان المشروع لا يزال في بدايته، والرياض قد استعيدت قبل ساعات، والبشائر تُرسل، والخصم لم يُحسم بعد.
وفي هذا النص القصير تجتمع عناصر نادرًا ما تجتمع في وثيقة واحدة: لهجة محلية، وتوقيتات دقيقة، ووصف للحركة العسكرية، وإحصاء للسلاح والخيل والإبل، وبشارة سياسية، وإدراك صريح بأن استعادة الرياض لم تكن نهاية الطريق.
ولهذا فإن قيمة الرسالة لا تأتي فقط من قِدمها، ولا منw نشرها في صحيفة عربية كبرى بعد أسابيع من الحدث، وإنما من قدرتها على تقريبنا إلى تلك اللحظة كما كتبها أحد صانعيها في يومها التالي.وبعد أكثر من مائة وأربعة وعشرين عامًا، ونحن نستعيد في الثالث والعشرين من سبتمبر ذكرى اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، تبدو هذه الرسالة أكثر من خبر قديم محفوظ في أرشيف صحيفة؛ إنها نافذة صغيرة على اللحظة التي كانت فيها الدولة لا تزال مشروعًا في بدايته، وعلى لغة قائد سجل النصر، وأحصى ما تحقق، وبعث بالبشارة، ثم ختم رسالته وهو ينظر بالفعل إلى ما سيأتي بعد الرياض. ذلك ربما هو المعنى الأعمق للوثيقة: أن صاحبها كتب عن استعادة مدينة، بينما نقرأها اليوم ونحن نعرف أنها كانت بداية استعادة دولة.
** **
- د. مشاعل بنت حمود الشبيب