في اليوم الوطني السادس والتسعين، حين تتوشح المملكة برايتها، وتعلو مشاهد الفرح في مدنها وميادينها، نستعيد حكاية وطنٍ جعل من البناء طريقًا، ومن الإنسان غايته، ومن المعرفة ركيزة لمستقبله. ومن أرض بدأت فيها مسيرة التوحيد، انطلقت رحلة طويلة لبناء الإنسان والمؤسسات، وفتح أبواب التعليم، حتى وصلت المملكة اليوم إلى مرحلة تتقدم فيها العلوم والتقنية إلى قلب مشروعها التنموي.
خلف مشهد الاحتفال، تجري حكاية أخرى أكثر هدوءًا، لكنها شديدة التأثير. ففي الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات، يعمل باحثون ومهندسون سعوديون على أسئلة المستقبل؛ تُحلَّل البيانات الجينية، وتتقدم أبحاث التقنية الحيوية، وتتطور تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتتسع مجالات البحث في الطاقة والفضاء والتقنيات المتقدمة. هناك تتشكل أفكار قد تتحول غدًا إلى علاج جديد، أو تقنية مبتكرة، أو حل يرفع كفاءة الاقتصاد، أو معرفة تفتح بابًا جديدًا للمستقبل.
هذه المشاهد الحديثة تحمل قصة أقدم؛ قصة قرار وطني جعل التعليم والمعرفة جزءًا من مشروع بناء الدولة. فقد أدرك الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن، طيب الله ثراه، أن بناء الدولة يحتاج إلى العلم كما يحتاج إلى الأمن والتنمية، فشهد عهده خطوات مبكرة في تأسيس التعليم الحديث وابتعاث الطلاب إلى الخارج. ومع توالي العقود، واصل أبناء المؤسس الملوك تطوير منظومة التعليم والمعرفة، حتى أصبح التعليم العالي والبحث العلمي جزءًا راسخًا من مسيرة التنمية.
في عهد الملك سعود اتسعت قاعدة التعليم العالي مع تأسيس جامعة الملك سعود، ثم جاء عهد الملك فيصل ليمنح التعليم المتخصص دفعة مهمة بتأسيس كلية البترول والمعادن. وفي عهد الملك خالد تعزز الاهتمام بالعلوم والتقنية والبحث التطبيقي، ثم شهد عهد الملك فهد توسعًا في مؤسسات التعليم العالي ومراكز التقنية والبحث العلمي، إلى جانب تنامي الاهتمام بالابتكار وبراءات الاختراع.
ومع عهد الملك عبدالله، اتخذ البحث العلمي أبعادًا أكثر عالمية، وكان تأسيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية محطة بارزة في هذا المسار، إلى جانب التوسع الكبير في برامج الابتعاث التي أسهمت في إعداد أجيال من الكفاءات الوطنية.
واليوم، في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، أيدهما الله، يدخل هذا المسار مرحلة جديدة. فقد أصبح البحث والتطوير والابتكار من محاور الطموح الوطني، في توجه يربط المعرفة بالاقتصاد، والبحث بالتطبيق، والابتكار بفرص النمو. وتتجه الأولويات إلى مجالات استراتيجية تشمل صحة الإنسان، واستدامة البيئة، والريادة في الطاقة، واقتصادات المستقبل.
ويبرز في هذه الرحلة حضور الباحث والمهندس السعودي في مجالات الجينوم والتقنية الحيوية والذكاء الاصطناعي والطاقة والفضاء، لتتحول المعرفة تدريجيًا إلى حلول ومنتجات وفرص اقتصادية. ويتزامن ذلك مع تحول رقمي واسع أسهم في تطوير الخدمات الحكومية، وتعزيز سرعة إنجاز المعاملات، والاستفادة من البيانات والحوسبة السحابية والأتمتة والتقنيات الذكية.
وهكذا تتصل حلقات المسيرة في صورة واحدة: جامعة تُعد الكفاءات، ومختبر ينتج المعرفة، ومركز بحث يطوّر الحلول، وشركة تحول الابتكار إلى قيمة اقتصادية. إنها منظومة تجعل الاستثمار في العقل استثمارًا في قدرة الوطن على المنافسة، وحماية مصالحه، وصناعة مستقبله.
وفي هذه المناسبة الوطنية المجيدة، نرفع أسمى آيات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وإلى سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، أيدهما الله، وإلى الشعب السعودي الكريم، الذي يواصل مسيرة وطنه بعزيمة وطموح وإيمان بالمستقبل.
نسأل الله أن يحفظ المملكة وقيادتها وشعبها، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار والرخاء، وأن يبارك في مسيرتها، ويوفق أبناءها وبناتها لمواصلة البناء والعطاء، وأن يجعل مستقبلها أكثر ازدهارًا وتمكينًا، ويكتب لها دوام الرفعة والمكانة بين الأمم.
ويبقى دورنا، كمهندسين وباحثين، أن نضع العلم في خدمة الوطن، وأن نحول المعرفة إلى حلول، والأفكار إلى ابتكارات، والبحث إلى قيمة تضاف إلى اقتصادنا وحياتنا. فالمستقبل الذي نطمح إليه يُبنى اليوم في الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات ومواقع العمل، بعقول سعودية تؤمن بأن راية الوطن التي ارتفعت في مسيرة التأسيس ستواصل ارتفاعها في ميادين العلم والتقنية والابتكار.
كل عام والمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا في عزٍ وأمنٍ وازدهار، وكل عام ووطننا يمضي بثقة نحو مستقبل يليق بطموحه.
** **
- د. م. فهد بن إبراهيم العمار