حين أُعلن توحيد المملكة العربية السعودية في 21 جمادى الأولى 1351هـ، الموافق 23 سبتمبر 1932م، لم يكن ذلك مجرد اعتماد اسم جديد للبلاد، ولا خاتمة لمسيرة سياسية وعسكرية طويلة فحسب؛ بل كان تتويجًا لمسيرة أحدثت تحولًا عميقًا في حياة الناس. فالقيمة الحقيقية للوحدة لا تظهر في اتساع حدود الدولة وحده، وإنما فيما تصنعه من أمن واستقرار ومؤسسات وهوية وطنية مشتركة.
بدأ الملك عبدالعزيز مسيرة استعادة الدولة من الرياض سنة 1319هـ، ثم أمضى نحو ثلاثة عقود في توحيد مناطق البلاد. ولم تكن المهمة جمع أراضٍ متباعدة تحت راية واحدة فقط؛ فقد كان تعدد مراكز القوة واضطراب الأمن ينعكسان على السفر والتجارة والاستقرار، ويجعلان الانتقال بين بعض المناطق محفوفًا بالمخاطر. ولذلك كان توحيد السلطة السياسية شرطًا لبناء دولة تستطيع حماية الطرق وتنظيم شؤون المجتمع وربط أجزائه.
وخلال سنوات التوحيد بدأ الملك عبدالعزيز تنظيم الإدارة وإنشاء أجهزة الدولة، ثم اتسع هذا البناء بعد إعلان المملكة. ومع مرور الزمن أصبحت المدرسة والمستشفى والطريق والجامعة والأجهزة الحكومية حاضرة في حياة المواطن، ووصلت التنمية إلى مناطق تفصل بينها مسافات شاسعة. لم تُنجز الوحدة كل ذلك في يوم واحد، لكنها أقامت الأساس الذي جعل إنجازه ممكنًا.
ومن هنا، فإن اليوم الوطني ليس ذكرى لحدث انتهى، بل مناسبة لفهم ما أنجزه ذلك الحدث وما يفرضه على الأجيال التالية. فالجيل الذي وحّد البلاد أدى مهمته في ظروف شديدة الصعوبة، أما مسؤولية الحاضر فهي صيانة الوحدة بإتقان العمل، واحترام النظام، وحماية المال العام، والمحافظة على تماسك المجتمع، وتقديم المصلحة الوطنية على المصالح الضيقة.
يأتي شعار هذا العام «عزّنا بطبعنا» ليعبّر عن صفات أصيلة في المجتمع السعودي؛ غير أن الشجاعة والهمة والكرم والجود والرؤية لا تثبتها الشعارات وحدها، وإنما يثبتها السلوك. فالهمة تظهر في جودة العمل، والرؤية في الاستعداد للمستقبل، والكرم في الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، والأصالة في الاعتزاز بالهوية مع القدرة على التطور.
إن الاحتفاء بالوطن حق، لكن الوفاء له أعمق من الاحتفال به. فالانتماء الذي لا يترك أثرًا في العمل والمسؤولية يظل شعورًا ناقصًا. وأصدق ما نقدمه في اليوم الوطني أن يسأل كل واحد منا نفسه: ماذا أضفت إلى الوطن الذي ورثته موحدًا؟
** **
- سعود رشود الجلعود