تبدأ الهندسة من الإصغاء إلى الأرض؛ قراءة تضاريسها، وفهم مناخها، ومعرفة الإنسان الذي سيعيش فوقها. ومن هذا الفهم نشأ المسكن السعودي في صورته الأولى: مكانًا للحياة والخصوصية والضيافة، ثم اتسعت الفكرة مع اتساع المدن وتطور احتياجات الإنسان.
في اليوم الوطني السعودي السادس والتسعين، نرى مسيرة المملكة في شكل مدنها وأحيائها وبيوتها. من تجمعات سكنية محدودة الإمكانات إلى مدن واسعة تمتد فيها الطرق والخدمات، تغير المكان مع تغير الحياة، وظل الاستقرار أساسًا لهذا النمو.. كان البيت السعودي القديم ابنًا لبيئته. الطين والحجر والخشب مواد من المكان، والأفنية الداخلية متنفسًا للعائلة، والمجالس موضعًا للضيافة، والرواشين والمشربيات حلولًا للضوء والهواء والخصوصية. وحتى الحارات جاءت متوافقة مع المناخ وطبيعة الأرض وحياة سكانها.ومع قيام الدولة السعودية الحديثة وترسخ الأمن والاستقرار منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، طيب الله ثراه، بدأت المدن تأخذ شكلًا جديدًا. امتدت الطرق، ووصلت شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وتطورت مواد البناء ووسائل التنفيذ، ودخلت التقنية إلى تفاصيل الحياة. ومع ذلك كله ارتفعت تطلعات الإنسان إلى مسكن أكثر راحة وحي أكثر ملاءمة.. اليوم تتسع معايير جودة الحي لتشمل تصريف مياه الأمطار، والعزل الحراري، وكفاءة استهلاك الطاقة والمياه، والبنية الرقمية، والمساحات الخضراء، وممرات المشاة. وقد يبدو بعضها تفصيلًا هندسيًا، لكنه ينعكس مباشرة على حياة الأسرة: طريق آمن إلى المدرسة، حديقة قريبة، رصيف مريح، وخدمات يومية يسهل الوصول إليها.
وتأتي قيمة «ميثاق الملك سلمان العمراني» في تعزيز صلة العمارة السعودية بمكانها. ففي الرياض يحضر الحجر المحلي في الواجهات والتفاصيل، وفي المدينة المنورة تظهر ملامح الحجر البركاني، بينما تحتفظ مدن الحجاز بالرواشين والمشربيات، وتمنح عسير عمارتها أقواسها وتكويناتها المستمدة من طبيعتها. وللمنطقة الشرقية ملامحها الخاصة؛ في الأحساء تتداخل الواحة والنخيل مع العمران، وفي الدمام والخبر تظهر سمات البيئة الساحلية والنمو التجاري، بينما ارتبطت الظهران بتحولات كبرى صاحبت صناعة النفط وتطور قطاع الطاقة. لكل مدينة قصتها التي صاغتها الأرض والمناخ والتاريخ وطريقة عيش أهلها.
وتستطيع مشاريع اليوم أن تستلهم هذه الخصوصية بوسائل معاصرة، من الأفنية والظلال ومعالجة الضوء والحرارة إلى تقنيات البناء الحديثة والأنظمة الذكية وحلول ترشيد الطاقة والمياه. فالعمارة الناجحة تحفظ صلة المكان بماضيه، وتمنح سكانه ما يحتاجونه في حاضرهم. وهنا تتضح مسؤولية المطور العقاري. المشروع الذي يُبنى اليوم سيصبح جزءًا من حياة أسر، وذاكرة أطفال، ومشهد مدينة لسنوات طويلة. لذلك تبدأ قيمته من حسن التخطيط، وجودة التنفيذ، واختيار المواد، وكفاءة التشغيل، والالتزام بالأنظمة والمعايير، ثم من قدرته على توفير سكن وحي يليقان بحياة الناس. ومع النهضة العمرانية المتسارعة في المملكة، تتسع فرص المهندسين والمخططين والمصممين والكفاءات الوطنية للمشاركة في صناعة المدن. فالمشاريع الكبرى تحتاج إلى خبرة تجمع بين التقنية وفهم المكان واحتياجات المجتمع، وتضع في حسابها حاضر المدينة ومستقبلها.في يوم الوطن، نستعيد وطنًا نراه في تفاصيله قبل عناوينه الكبيرة: بيت طيني احتضن أسرة، وبيت حديث اتسعت فيه مساحات الحياة، وحارة قديمة جمعت الجيران، وحي جديد تتجاور فيه البيوت والحدائق والمدارس. بين هذه الصور كبرت المملكة مع أهلها، واتسعت مدنها مع أحلامهم.
نحتفي بوطن جعل من الاستقرار أساسًا للعمران، ومن العمل طريقًا للتنمية، ومن الإنسان محورًا للمستقبل.. نرفع خالص التهاني إلى خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وإلى سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، حفظهما الله، وإلى أبناء الوطن الكريم، سائلين الله أن يحفظ المملكة ويديم عليها أمنها واستقرارها ونماءها، ويبارك في حاضرها ومستقبلها.. كل عام ووطننا بخير؛ عامرًا بأهله، مزدهرًا بمدنه، عزيزًا بطباع أبنائه، وماضيًا بثقة نحو مستقبل يليق به.
** **
- م. حامد بن حمري