قد تستطيع دولة أن تبني مدينة حديثة خلال سنوات، وأن تنشئ مشروعات كبرى خلال عقد، لكن بناء صورتها في عيون العالم يحتاج إلى شيء آخر، وهو أن تجد من يروي قصتها، وهنا يأتي الإعلام والإنتاج الفني، في اليوم الوطني السعودي، لم تعد صورة المملكة تُصنع فقط عبر الأخبار السياسية أو البيانات الاقتصادية. هناك سينما، ومسلسلات، وموسيقى، ومهرجانات، ومنصات رقمية، ومحتوى بصري، وصناع أفلام، ومبدعون سعوديون أصبحوا جزءًا من الطريقة التي يكتشف بها العالم المملكة.
وهذه ليست مسألة ثقافية فقط؛ إنها أيضًا مسألة اقتصادية وإستراتيجية، قادها ملك الحزم والعزم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهما الله- برؤية قويمة نوعت الاقتصاد الذي يحتاج إلى اقتصاد قصص وصور وتجارب، لأن السائح والمستثمر والمبدع لا يتعامل مع الأرقام وحدها، بل مع الصورة التي تتكون في ذهنه عن المكان، ولذلك أصبح الاستثمار في المحتوى والإنتاج الفني جزءًا من صناعة الجاذبية السعودية.
ومن الأمثلة اللافتة حجم الطلب الجماهيري الذي صنعته صناعة الترفيه، والتي تجاوز عدد زوار النسخة الخامسة فيها من موسم الرياض 20 مليون زائر، بما يعكس قدرة الفعاليات الفنية والترفيهية على جذب الجمهور وتحريك قطاعات واسعة مرتبطة بالضيافة والمطاعم والتجزئة والنقل والفعاليات. وهي أرقام مهمة لأنها تكشف شيئًا أبعد من نجاح موسم أو فعالية أن الجمهور نفسه أصبح جزءًا من الاقتصاد الجديد، فكل حفلة تنتج عملًا، وكل عمل يحتاج إنتاجًا وتقنية وتسويقًا ومحتوى، وكل زائر ينفق في سلسلة من القطاعات الاقتصادية.
وهذا يتزامن مع نمو الاقتصاد السعودي الحقيقي بنسبة 4.5 في المائة في 2025، ونمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.9 في المائة، وهي مؤشرات تعكس اتساع قاعدة النشاط الاقتصادي خارج النفط، لكن للإعلام وظيفة أكبر من الإيرادات، فهو يصنع الوعي، والإنتاج الفني يصنع الذاكرة، والصورة تصنع الانطباع الأول. ولهذا يصبح المحتوى السعودي الجيّد أداة من أدوات القوة الناعمة، خصوصًا عندما يقدّم المملكة كما هي: مجتمعًا له جذور عميقة، لكنه قادر على التجدد، وله خصوصيته، لكنه قادر على الحوار مع العالم.
والثقافة هنا ليست خلفية للإعلام، بل مادته الأساسية.، فهناك ثمانية مواقع سعودية أصبحت مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، كما جرى تسجيل 16 عنصرًا من عناصر التراث الثقافي غير المادي، وفق تقرير رؤية 2030. وهذه ليست شهادات تراثية فحسب؛ إنها مواد لصناعة أفلام، ووثائقيات، ومعارض، ومحتوى رقمي، وتجارب سياحية وتعليمية، والتحدي المقبل ليس في زيادة حجم المحتوى السعودي فقط، وإنما في رفع جودته وقدرته على المنافسة عالميًا، فالمحتوى الذي يخاطب العالم يجب أن يكون احترافيًا في إنتاجه، صادقًا في قصته، عميقًا في شخصياته، ومدركًا لقوة الصورة، وهنا تتقاطع الثقافة والإعلام مع رؤية 2030 بصورة مباشرة: تنويع الاقتصاد، تمكين المواهب، خلق الوظائف، تحسين جودة الحياة، وتعزيز الحضور السعودي عالميًا.
وفي يوم الوطن، ربما لا يكفي أن نقول إن السعودية تتغير، بل الأهم أن العالم بدأ يرى هذا التغيير من خلال عيون سعودية، وحين يكتب السعودي قصته، ويصنع فيلمه، ويؤلف موسيقاه، ويصور مدينته، ويروي تراثه، فإنه لا ينتج محتوى فقط؛ بل يشارك في كتابة الفصل الجديد من صورة وطنه، وفي النهاية هي، إحدى أهم صناعات المستقبل.
** **
- عبدالله الغدير