هناك أوطان تحتفل بتاريخها، وهناك أوطان تجعل من تاريخها قوة تدفعها إلى الأمام. والمملكة العربية السعودية تنتمي إلى النوع الثاني؛ فهي لا تنظر إلى ماضيها باعتباره ذكرى تُستعاد، وإنما باعتباره جذورًا تمنح حاضرها الثقة، ومستقبلها القدرة على الانطلاق.
في اليوم الوطني السعودي، تتوقف عقارب الزمن قليلًا أمام رحلة وطن بدأت بالتوحيد، ثم مضت في طريق طويل من البناء والتحول حتى أصبحت المملكة واحدة من الدول الأكثر حضورًا وتأثيرًا على المستويين الإقليمي والدولي.
لقد صنع الأمس المجد حين اجتمعت الإرادة على هدف واحد: بناء وطن موحد ومستقر. ومن رحم تلك المرحلة بدأت رحلة لم تكن سهلة، لكنها كانت مليئة بالإصرار. سنوات من العمل أسست دولة حديثة، ورسخت مؤسساتها، ووسعت قاعدة التنمية، حتى أصبح ما كان حلمًا في الأمس واقعًا يراه الجميع اليوم.
لكن قيمة التاريخ لا تكمن فقط في عدد السنوات التي مرت، وإنما في حجم التحولات التي شهدها الوطن خلالها. فمن مجتمع كانت تحديات الحياة فيه مرتبطة بظروف البيئة وقسوة الجغرافيا، إلى دولة تمتلك بنية تحتية متقدمة، واقتصادًا متنوعًا، ومؤسسات حديثة، ومكانة دولية متنامية. ومن اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على مورد واحد، إلى طموح واسع لبناء اقتصاد أكثر تنوعًا وقدرة على المنافسة.
وهنا تظهر خصوصية التجربة السعودية؛ فالمملكة لا تكتفي باستحضار الإنجاز، بل تبحث دائمًا عن الإنجاز التالي.
اليوم، لم يعد السؤال: ماذا حققت السعودية؟
بل أصبح السؤال: إلى أين تتجه السعودية؟
والإجابة تبدو واضحة في المشروعات والتحولات التي تشهدها المملكة، وفي الاستثمار في الإنسان، وفي تمكين الشباب، وفي دعم المرأة، وفي التوسع في المجالات التقنية والرقمية، وفي الاهتمام بالثقافة والسياحة والترفيه، وفي المشروعات التي تستهدف بناء اقتصاد ومجتمع أكثر استدامة وحيوية.
إن المستقبل السعودي لا يُبنى في مكان واحد؛ إنه يُبنى في المدرسة والجامعة، في المصنع والشركة، في المختبر ومركز الابتكار، في المستشفى والمدينة، وفي كل موقع يعمل فيه مواطن سعودي مؤمن بأن دوره يتجاوز حدود وظيفته ليصبح جزءًا من قصة وطن بأكمله.
وهنا يتحول الاحتفال باليوم الوطني من مظاهر الفرح إلى معنى أعمق؛ معنى يقول إن الانتماء ليس مجرد كلمات، وإن حب الوطن لا يُقاس بما نقوله عنه، وإنما بما نقدمه له.
فالأجيال السابقة قدمت نموذجًا في الصبر والعمل والبناء، والأجيال الحالية أمامها مسؤولية جديدة: أن تحافظ على المكتسبات، وأن تضيف إليها، وأن تجعل من التطور المستمر ثقافة حياة.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في هذه المناسبة إن السعودية اليوم لا تختار بين تاريخها ومستقبلها؛ فهي تحمل الاثنين معًا.
تحمل في ذاكرتها قصة التأسيس والوحدة، وفي عينيها صورة المستقبل. تستحضر قيمها الأصيلة، وفي الوقت ذاته تنفتح على الاقتصاد العالمي والتقنيات الحديثة. تحافظ على هويتها، بينما تخطو بثقة نحو عالم سريع التغير.
وهكذا تتكامل الصورة: أمس صنع المجد، واليوم يصنع المستقبل.وبين الأمس واليوم، هناك وطن كامل اختار ألا يتوقف.
وطن يؤمن بأن كل إنجاز هو بداية لإنجاز آخر، وأن كل مرحلة من مراحل البناء ليست محطة أخيرة، وإنما جسر نحو مرحلة أكثر طموحًا.في اليوم الوطني السعودي، لا نحتفل فقط بما كان، بل نحتفل أيضًا بما سيكون.
نحتفل بوطنٍ يروي التاريخ قصته بفخر، ويكتب المستقبل بثقة.
** **
- د. طارق عطية السلمي