يجسد يوم الثالث والعشرين من سبتمبر من كل عام محطة تاريخية استثنائية مضيئة في ذاكرة الجزيرة العربية والعالم، ففي هذا اليوم الخالد من عام 1932م (1351هـ)، توج الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- جهوداً كفاحية ملحمية استمرت لثلاثة عقود، بإعلان المرسوم الملكي التاريخي لتوحيد البلاد تحت مسمى واحد يفيض بالهيبة والاعتزاز: «المملكة العربية السعودية».
ولم يكن هذا الإعلان مجرد تغيير في الجغرافيا السياسية للمنطقة، بل كان ميلاداً حقيقياً لدولة حديثة انبثقت من قلب الشتات والفرقة، وصاغت دستوراً أساسه الاستقرار، والتعاون، والتكامل بين كافة أرجاء هذا الوطن المترامية أطرافه. ومن هنا تكتسب ذكرى اليوم الوطني قيمتها الوجدانية الكبرى؛ إذ إنها المناسبة التي نستحضر فيها بكل فخر الرؤية الحكيمة والثاقبة التي شيدت وطناً شامخاً، ووحدت القلوب والطاقات، ورسمت خارطة طريق لمستقبل مشرق تتوارثه الأجيال بكل أمانة واعتزاز.
إن قيام هذه الدولة المباركة لم يكن وليد صدفة عابرة، بل جاء ثمرة إيمان راسخ ويقين مطلق بأن النهضة والبناء لا يمكن أن يتحققا في بيئة يسودها الخوف والتشرذم.
لقد أدرك الملك عبدالعزيز، ومعه رجاله المخلصون الذين سطروا بدمائهم وعزيمتهم أروع صفحات البذل، أن الوحدة الوطنية هي صمام الأمان الوحيد لتحقيق الأمن، وبسط الاستقرار، والبدء في معركة التنمية والرخاء.
لقد واجه الرعيل الأول تحديات جسيمة، وصعاباً جغرافية واقتصادية بالغة التعقيد، إلا أن الإرادة الصادقة، وتقديم مصلحة الوطن العليا فوق كل اعتبار، كانت الوقود الذي تكسرت عليه كل العقبات. تلك الرؤية الاستراتيجية الفذة أصبحت بمثابة الحجر الأساس والقاعدة الصلبة التي انطلقت منها السعودية نحو العصرنة والتحديث، متحولة عبر العقود من مجتمع صحراوي بسيط إلى قوة إقليمية ودولية يشار إليها بالبنان في ميادين القيادة السياسية، والاقتصاد العالمي، والريادة المعرفية.
حينما نتأمل الشواهد الحاضرة في أرجاء المملكة، ندرك يقيناً أن الإنجازات الاستثنائية التي نعيشها اليوم هي نتاج تخطيط دقيق بعيد المدى، وعمل دؤوب لم ينقطع، تسلمت رايته أيدٍ أمينة من الملوك البررة حتى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان.
لقد آمنت القيادة الرشيدة بأن «الإنسان السعودي» هو الثروة الحقيقية للبلاد، فجعلته المحور الأساسي لكل خطط التنمية والنهضة الشاملة. وفي ظل رؤية السعودية 2030، تعيش المملكة وثبة حضارية غير مسبوقة غيرت المفاهيم التقليدية للتطوير؛ حيث تشهد البلاد نهضة هيكلية كبرى شملت تنويع مصادر الدخل، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، والتحول الرقمي الشامل. كما قفزت المملكة قفزات نوعية في قطاعات التعليم والبحث العلمي، والرعاية الصحية المتكاملة، وتطوير البنية التحتية العملاقة، فضلاً عن تمكين المرأة والمبدعين من الشباب. هذا الحراك الشامل وضع المملكة في مصاف الدول القيادية عالمياً ضمن مؤشرات التنافسية، وجودة الحياة، والابتكار، وحماية البيئة عبر مبادرات رائدة مثل «السعودية الخضراء».
إن الاحتفال باليوم الوطني يتجاوز حدود المظاهر الاحتفالية، ليصبح رمزاً حياً لتجديد قيم وطنية أصيلة راسخة في وجدان المجتمع؛ في مقدمتها التلاحم الفريد بين الشعب والقيادة، والمسؤولية المشتركة تجاه صون مكتسبات الوطن.
هذا اليوم هو المساحة الروحية والثقافية التي نغرس من خلالها في نفوس أبناء وبنات الوطن قيم الانتماء والفخر بجذورهم العربية والإسلامية العريقة. من خلال هذه الذكرى، ترتبط الأجيال الجديدة بتضحيات قادتهم الأوائل، ليعوا تماماً أن ما ينعمون به اليوم من أمن وارف، ورخاء اقتصادي، ومكانة دولية رفيعة، لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تضحيات عظيمة، وعمل مخلص تواصل ليل نهار ليظل علم المملكة الأخضر خفاقاً في أعالي القمم.
في الختام، يحمل اليوم الوطني الـ96 في طياته رسالة أبدية بالغة الوضوح: إن سر قوة المملكة العربية السعودية يكمن في تلاحم جبهتها الداخلية، والالتفاف الشعبي الصادق حول راية التوحيد وقيادتها الحكيمة.
إن هذا اليوم هو إعلان متجدد للعهد والولاء على مواصلة مسيرة البناء والعطاء، والعمل بكل طاقة لاستكمال المستهدفات الطموحة، من خلال الاستثمار الجريء في العقل البشري، وتبني أحدث تقنيات المستقبل، وترسيخ مكانة المملكة بصفتها قلباً نابضاً للعالمين العربي والإسلامي، ومحوراً رئيسياً للاستقرار والاقتصاد العالمي، ومنارة تشع بقيم التسامح والاعتدال والانفتاح الواعي على الحضارات الإنسانية كافة.
** **
- نايف بن عبدالله الأسمري