شهدت المملكة العربية السعودية في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بدايات مسيرة التنمية الشاملة، حيث وضع أسس بناء الدولة الحديثة بعد توحيد أقاليمها تحت راية واحدة، واهتم بتطوير مختلف القطاعات، مثل: التعليم، والصحة، والمواصلات، وتعزيز الأمن والاستقرار، ما مهد الطريق لنهضة اقتصادية واجتماعية مستمرة. وقد كان التركيز على إقامة البنية التحتية والخدمات الأساسية حجر الزاوية في تلك المرحلة، لتكون المملكة قادرة على مواكبة تطورات العصر والانطلاق نحو مستقبل مزدهر.
فبعد أن استقرت الأمور بتوحيد مناطق المملكة كافة، اتجه الملك عبدالعزيز إلى التنمية الإدارية والسياسية في الدولة، فسعى إلى تشكيل عددٍ من الإدارات، تمثلت في عدّة قنوات في طليعتها:
الديوان الملكي: وهو المرجع الرئيسي لجميع شؤون الدولة الداخلية.
المجلس الخاص: كان يعقد مرتين في اليوم، يترأسه الملك عبدالعزيز، ويحضره أخوه الأمير عبدالله بن عبدالرحمن، وولي عهده الأمير سعود بن عبدالعزيز، ومن يحملون لقب وزير دولة، والمستشارون.
الشعبة السياسية: وتعنى بالشؤون الخارجية.
وكانت هناك شعبة ذات اختصاصات محددة كشعبة البادية والخاصة والملكية والمحاسبة والأعطيات والوفود والضيافة، بالإضافة إلى ما تقدم كان ولي العهد الأمير سعود بن عبدالعزيز يسهم إسهامًا واضحًا في تسير الأمور الإدارية، وكان قد أصبح وليًا للعهد عام (1352هـ - 1933م)، كما أن الأمير فيصل بن عبدالعزيز كان يقوم بمنصب نائب الملك في الحجاز ويرأس مجلس الوكلاء.
وزارة الخارجية
نشأت وزارة الخارجية بشكل تدريجي، متزامن مع تطور علاقات المملكة بالدول الأجنبية، حيث كان الملك عبدالعزيز خلال توحيد الدولة يتولى بنفسه مراسلة الحكومات وقراءة ردودها، ويشرف على الشؤون الخارجية بمساعدة بعض أهل الخبرة.
وبعد استكمال توحيد مناطق المملكة أُنشئ في مكة مكتب رسمي لإدارة شؤون الخارجية، واستمر حتى صدر في رجب 1349هــ- أواخر 1930م أمر ملكي بتحويله إلى وزارة الخارجية، وتعيين الأمير فيصل بن عبدالعزيز وزيرًا لها، لتكون أول وزارة تُنشأ رسميًا في المملكة.
توحيد القضاء
قام النهج القضائي في عصري الدولتين السعوديتين الأولى والثانية على المذهب الفقهي السائد في كل منطقة، واتسم بالبساطة في إجراءاته القضائية. واستمر هذا التنظيم فترة محدودة خلال مرحلة التوحيد، ثم جاء الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ليؤكد امتداد هذا النهج ويعززه، فجعل للشريعة الإسلامية مكانة سامية في أنظمته وتشريعاته، وحرص على الالتزام بها قولًا وعملًا، فكان يقول -رحمه الله-: «دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد -صلى الله عليه وسلم-».
وبعد استكمال توحيد المملكة، جرى توحيد النظام القضائي في مختلف المناطق والمدن، ثم أصدر تشكيلات لرئاسة القضاء ومعها تعليمات باسم «مواد إصلاحية مؤقتة للمحاكم الشرعية» في عام 1344هـ (1926م).
ثم جرى استكمال هذه الإدارة بإلحاق عدة دوائر مهمة، من أبرزها: كتابة العدل التي تأسست عام 1346هـ (1928م)، وهيئة تمييز الأحكام التي أُنشئت عام 1350هـ (1931م) تحت إشراف رئاسة القضاء، ولما استحدثت إدارة التفتيش القضائي عام (1351هـ- 1932م) ألحقت برئاسة القضاء.
ولأول مرة في تاريخ القضاء في المملكة صدر المرسوم الملكي في الرابع من صفر 1346هـ (أغسطس 1927م) نظام تشكيلات المحاكم الذي تناول المحاكم وتشكيلاتها، وهيئة المراقبة ووظائفها، وكتاب العدل ودوائرها، وقد عالج هذا المرسوم ما يتصل بالمحاكم واختصاصاتها وتصنيفها وإجراءات سير التقاضي فيها، والأجهزة المتممة لها في تسع عشرة مادة في خمسة فصول.
خفر السواحل
بعد أن وحّد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- مناطق المملكة، عمل على ترسيخ الأمن في جميع أرجائها، وأمّن القادمين من الخارج إلى الأراضي المقدسة لأداء الحج والعمرة، فأنشأ عام 1344هـ (1926م) مديرية الشرطة العامة في مكة المكرمة، وكانت مرتبطة بمديرية الأمن العام ومرجعها نائب جلالة الملك، ثم فُتحت إدارات للشرطة في عدد من مناطق المملكة بمهام محددة.
وفي عام 1349هـ (1931م) أصبحت هذه الإدارات تحت رئاسة مدير الأمن العام، واعتمدت قوات الشرطة على المشاة والخيالة وجنود المرور والآليات، فأهدى الملك عبدالعزيز خيالة الشرطة عشرين فرسًا عام 1353هـ (1935م)، وفي عام 1354هـ (1935م) أُنشئت مدرسة الشرطة لتخريج الضباط ومساعديهم، وفي عام 1363هـ (1944م) تحولت مديرية الشرطة العامة إلى مديرية الأمن العام وتوسعت مهامها، فاستُقطب خبراء من الخارج وطُلب من بعض رجالها الابتعاث للتخصص في شؤون الأمن، وفي عام 1369هـ (1950م) استُحدثت تشكيلات جديدة وبدأ التركيز على الأمن الساحلي بإنشاء جهاز خفر السواحل، وفي عام 1370هـ (1951م) ازدادت أجهزة الأمن العام تقدمًا بعد إعادة تكوين وزارة الداخلية، مما عزز قدراتها في حفظ الأمن.
أفواج الجيش
عمل الملك عبدالعزيز -رحمه الله- على تشكيل وحدات الجيش السعودي النظامي، فبدأ بتأسيس فوج للمدفعية وفوج للرشاشات وفوج للمشاة، ثم جاءت نقطة التحول عام 1348هـ (1930م) بإنشاء مديرية الأمور العسكرية، وبعد خمس سنوات، أي عام 1353هـ (1935م)، بلغت القوات النظامية مستوى استدعى إنشاء وكالة الدفاع إلى جانب المديرية، وأُعيد تنظيم وحدات الجيش لتصبح: سلاح المشاة، وسلاح المدفعية، وسلاح الفرسان، مع ترتيبها على شكل ألوية وكتائب، وإنشاء مدرسة عسكرية في الطائف.
وفي عام 1359هـ (1940م) أُلغيت مديرية الأمور العسكرية، وأُنشئت بدلًا منها رئاسة الأركان الحربية، ثم شهد الجيش نقلة كبيرة عام 1363هـ (1944م) بتحويل وكالة الدفاع إلى وزارة الدفاع، وتعيين الأمير منصور بن عبدالعزيز وزيرًا لها، حيث عمل على تطوير الجيش وتنظيمه وتدريبه، واستقدام الخبراء العسكريين من الخارج، وابتعاث أفراد الجيش للدراسة والتدريب، وافتتاح مدارس متخصصة مثل مدرسة الإشارة واللاسلكي، ومدرسة الطيران، ومدرسة الصحة والإسعاف، وإنشاء المستشفى العسكري بالطائف، والبدء في بناء مصانع حربية بالخرج، وفي عام (1371هـ- 1952م) تم تغيير اسم «وزارة الدفاع» إلى «وزارة الدفاع والطيران».
نقطة التحول
كان دخل الدولة في عهد الملك عبدالعزيز في أثناء مرحلة توحيد أجزاء الدولة، يعتمد بشكل أساسي على زكاة الإبل والغنم والتمر والحبوب وغيرها، إضافة إلى بعض المصادر المالية الأخرى، وبعد دخول منطقة الأحساء، تحسنت الأوضاع المالية نظرًا لثرائها الزراعي، خاصة في إنتاج النخيل، كما ظهر مصدر جديد للدخل وهو جمارك البضائع الواردة عبر موانئها.
ومع انضمام عسير وتهامة وحائل ومناطقها، ازدادت موارد الدولة، ثم جاء دخول مناطق الحجاز فزادت هذه الوارد. ومع ذلك، ظل هذا الدخل محدودًا أمام المتطلبات الكبيرة للدولة التي كان قائدها يطمح إلى تنفيذ إصلاحات شاملة. ولم تُحل التحديات التي واجهت تلك الطموحات الإصلاحية إلا بتوفيق الله -عز وجل-، ثم ببدء تدفق النفط وتصديره، الذي شكّل نقطة تحول كبرى في دعم مسيرة التنمية.
وفي إطار سعي الدولة لتعزيز مواردها المالية، عقدت اتفاقيات للتنقيب عن النفط، بدأت مع شركة النقابة الشرقية العامة عام 1342هـ (1924م) للتنقيب في المنطقة الشرقية، إلا أن الاتفاقية ألغيت عام 1347هـ (1929م) لتوقف الشركة عن العمل.
كما أرسلت الدولة عددًا من الجيولوجيين، الذين تنقّلوا في المناطق الغربية بحثًا عن المياه، لكن النتائج كانت محدودة، مما دفع الملك عبدالعزيز لتكليفهم بالبحث عن إمكانية وجود معادن في البلاد.
وبالنظر إلى التشكيل الجيولوجي للمنطقة الشرقية مع البحرين التي اكتشفت فيها الشركات الأمريكية النفط، رجّح الجيولوجي كارل تويتشل إمكانية وجوده هناك.
ففوّضه الملك عبدالعزيز بالاتصال بممولين للتنقيب، ليتواصل مع شركة ستاندر أويل أوف كاليفورنيا، التي وقّعت مع حكومة المملكة عام 1352هـ (1933م) اتفاقية للتنقيب عن النفط في شرق البلاد، مقابل امتيازات وشروط محددة، لمدة ستين عامًا.
وقد أدى هذا التنقيب إلى اكتشاف بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير) وتأكيد وجود النفط في المملكة، ثم تتابع اكتشاف عدد من الآبار النفطية الأخرى، مما ساهم في تصدير النفط بكميات تجارية إلى الخارج. كما عمل الملك عبدالعزيز -رحمه الله- على تسهيل نقله إلى الموانئ عبر إنشاء أنابيب البترول المعروفة بخط التابلاين.
كان من خطوات الملك عبدالعزيز لتنظيم الشؤون المالية، بعد استكمال توحيد البلاد أنه أنشأ عام 1344هـ (1926م) إدارة مالية، ثم وحّد بعد عامين جميع الدوائر المالية تحت إدارة سُمّيت «مديرية المالية العامة» وعيّن عبدالله سليمان الحمدان مديرًا لها. وفي السنة المالية التالية، تحولت المديرية إلى وكالة، ثم في عام (1351هـ- 1932م) أصبحت وزارة، وتولى وكيل المالية العام نفسه منصب وزيرها.
ومع مرور الوقت، اتسعت صلاحيات وزارة المالية وتعددت مسؤولياتها، وأصبح اسمها مرتبطًا بعدة مجالات، منها: الحج، والدفاع، والزراعة، والأشغال العامة، والطرق، والسيارات، والتعدين. وكانت أول محاولة لإعداد ميزانية للمملكة عام (1348هـ- 1929م)، ثم أُقرت الميزانية بشكل رسمي بعد خمس سنوات عام 1353هـ (1934م)، حيث فُصّلت فيها الواردات التي بلغت أربعة عشر مليون ريال. وفي عام 1367هـ (1948م) ارتفع حجم الميزانية ليتجاوز مئتي مليون ريال.
وتجدر الإشارة إلى أن العملات المتداولة في البلاد قبل تأسيس المملكة كانت متنوعة ومختلفة، ومع توحيد الدولة على يد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بدأ بإصدار عملة نحاسية من فئات القرش ونصفه وربعِه عام 1344هـ (1926م) وألغى التعامل بالعملات الأخرى وأمر بصرف تعويض لهم مقابلها. وبعد ذلك بعامين، وُضع أول نظام للنقد في المملكة، كما تم سك الريال العربي السعودي من الفضة، ونصفه وربعِه. وفي عام (1371هـ) 1952م أُنشئت مؤسسة النقد العربي السعودي، وفي العام الذي يليه 1372هـ (1953م) أصدرت الدولة الجنيه الذهبي السعودي، الذي كان مساويًا في
حجمه ووزنه للجنيه الإنجليزي الذهبي. كما أصدرت أول عملة ورقية باسم «إيصالات الحجاج» من فئات عشرة ريالات وريال واحد.
تطوير الزراعة
سعى الملك عبدالعزيز -رحمه الله- منذ وقت مبكر إلى النهوض بالزراعة وتطويرها، والتغلب على مشكلة نقص المياه، فعمل على تشجيع المزارعين ماليًّا، ودعمهم بالخبرات الفنية، وأعفى الأدوات الزراعية من الرسوم الجمركية. كما استعان بهيئات زراعية متقدمة لتولي زراعة مناطق محددة، بهدف زيادة الإنتاج وتنويعه.
بدأت جهود الملك عبدالعزيز في هذا المجال عام 1346هـ (1928م)، وكانت أول محاولة للبحث عن مصادر المياه عام 1350هـ (1932م). أما أول بعثة فنية لتطوير الزراعة فقد استُقطبت من إحدى الدول العربية عام 1353هـ (1935م). وتوالت الدراسات والبعثات حتى تأسست «مديرية الزراعة» عام 1367هـ (1948م)، والتي توسعت بفروعها في مناطق المملكة، ثم تحولت إلى وزارة بعد وفاة الملك عبدالعزيز.
وقد شهد عهده إنجازات مهمة في هذا المجال، من أبرزها:
- تركيب آلتين لتقطير المياه في جدة عام 1345هـ (1927م).
- إنشاء هيئة عين الوزيرية، ثم العين العزيزية لتوفير المياه، وإنشاء لجنة هيئة عين الزرقاء بالمدينة المنورة لتنظيفها ومدها بالمياه الصالحة للشرب.
- إنشاء هيئة عين زبيدة لإصلاح روافدها ومد مكة بالمزيد من المياه.
- إصلاح السدود وحفر آبار ارتوازية في جميع أنحاء الدولة.
- إعفاء المعدات الزراعية من الرسوم الجمركية، واستيرادها وبيعها للمزارعين بأسعار مخفضة.
- تعليم المزارعين طرقًا حديثة للزراعة لزيادة الإنتاج.
- إنشاء مشروع الخرج الزراعي، بإشراف مهندسين زراعيين من الخارج، لاستصلاح الأراضي، وزيادة المحاصيل، وتربية المواشي.
- إنشاء ورش لصيانة مضخات المياه والآلات الزراعية.
- ازدياد الإنتاج وزراعة محصولات لم تزرع من قبل في الدولة كقصب السكر والقطن والذرة والفول السوداني والفول وغيرها.
التعليم النظامي
كانت الأوضاع التعليمية في بعض المناطق التي توحدت تحت حكم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- ضعيفة بصفة عامة، واقتصرت في بعض الأماكن على الكتاتيب التي تدرّس العلوم الأساسية، كالقرآن الكريم والعلوم الدينية والقراءة والكتابة، لذا قرر الملك عبدالعزيز إطلاق حركة تعليمية منظمة وافتتاح العديد من المدارس في جميع أنحاء المملكة، وإرسال المعلمين والمشايخ للقرى الصغيرة والهجر أسوة بالمدن الكبيرة.
كما أمر عام 1344هـ (1926م) بإنشاء مديرية المعارف العمومية لتتولى شؤون التعليم، وكان أول مدير لها صالح شطا، وتوالى على إدارتها عدد من التربويين حتى كان آخر من تولى المديرية في عهده -طيب الله ثراه- محمد بن مانع.
وفي عام 1345هـ (1927م) افتتح المعهد العلمي السعودي لتخريج معلمي المرحلتين الابتدائية والأولية. ثم أنشأ الملك عبدالعزيز عام 1346هـ (1928م) مجلس المعارف للإشراف على سير التعليم وتنظيمه، وبدأت المديرية بفتح المدارس الحكومية ومساندة المدارس الأهلية.
ونظرًا للحاجة إلى تخصصات غير متوفرة محليًا، أُرسلت أول بعثة دراسية إلى الدول العربية، ثم توالت البعثات.
وفي عام 1356هـ (1937م) افتتحت مدرسة تحضير البعثات لتأهيل المبتعثين قبل سفرهم، واستمر التوسع بإنشاء المدارس الابتدائية والثانوية في مختلف مناطق المملكة. وساعد على هذا التقدم زيادة دخل الدولة بسبب تصدير النفط بكميات أ كبر، كما افتتحت المديرية معتمديات في كل منطقة للإشراف على التعليم ومتابعته.
كما أدت حاجة البلاد إلى متخصصين في القضاء والإرشاد وتدريس العلوم الدينية إلى افتتاح مدرسة «دار التوحيد» بالطائف عام 1364هـ (1945م) والتي تركز على تدريس أصول الدين وفروعه وعلوم اللغة العربية.
ولم يقتصر التعليم في عهد الملك عبدالعزيز على التعليم العام، بل وضعت نواة التعليم الجامعي، حيث افتتحت كلية الشريعة في مكة المكرمة عام 1369هـ (1950م)، ثم كلية المعلمين عام 1372هـ (1953م)، وفي العام التالي 1373هـ (1953م) افتتحت كلية الشريعة في الرياض.
وقد أ كد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أن العلم هو أساس نهضة الأمة وتقدمها، فمن هذا المبدأ حرص على نشر التعليم وجعله مجانيًا ومتاحًا للجميع، ليكون وسيلة لبناء الإنسان والوطن.
وزارة الصحة
كان السكان في معظم مناطق المملكة قبل توحيدها يعتمدون على الطرق التقليدية في علاج الأمراض، لكن بعض الأمراض كانت عصية على العلاج، مثل الجدري والإسهال عند الأطفال، والتي كانت تتسبب في ارتفاع نسبة الوفيات بينهم، إضافة إلى الأوبئة التي كانت تفتك بالكثيرين إذا انتشرت، كما حدث عام 1337هـ (1919م). وكانت المنطقة الغربية، أوفر حظًّا لوجود عدد من المستشفيات والمحاجر الصحية، والاهتمام بصحة سكانه وصحة القادمين إليه من الحجاج والمعتمرين، غير أن كونه ملتقى لموسمي الحج والعمرة، واستقبال أعداد كبيرة من مناطق مختلفة في وقت محدد، جعله أحيانًا عرضة لانتشار الأوبئة.
وقد أدرك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- حجم المسؤولية الملقاة على الدولة في مجال الصحة العامة، سواء للمواطنين أو للحجاج والمعتمرين، فأنشأ عام 1344هـ (1926م) مصلحة الصحة العامة في مكة المكرمة، لتتولى الإشراف وتنظيم الشؤون الصحية في البلاد، والنظر في المسائل الصحية الدولية.
وافتتحت المصلحة فروعًا لها في المدن الكبيرة، وقُسّمت البلاد إلى مناطق صحية، وطُوّرت المستشفيات والمستوصفات القائمة، كما افتتحت مستشفيات جديدة، وأُنشئت مستوصفات في أماكن متعددة.
وشُكّلت فرق طبية متنقلة تجوب أرجاء المملكة لتقديم العلاج والرعاية الصحية للسكان من البادية والقرى. كما أسست جمعية الإسعاف الخيري للحالات الطبية الطارئة.
وقد أولى الملك عبدالعزيز عناية خاصة بصحة الحجاج، فكان يتم تجنيد أ كبر عدد من الأطباء والممرضين والإداريين كل موسم حج، لتقديم العلاج والإمداد بالأدوية. ومن شواهد هذه العناية إنشاء مستشفى في منى، ومستوصف في عرفات، وسبعة مراكز صحية في أماكن مختلفة من المشاعر المقدسة، إضافة إلى إنشاء إدارة خاصة بالمحاجر الصحية مقرها جدة، وإقامة مراكز صحية على ساحل البحر الأحمر.
وكانت الحكومة السعودية -كعادتها- تقوم في نهاية كل موسم حج بمراجعة شاملة لتقييم مدى نجاح الموسم، والتأكد من خلوه من الأمراض والأوبئة، إلى جانب متابعة الوضع الصحي العام في البلاد، استمرارًا لجهودها في تعزيز الصحة العامة ورعاية الحجاج والمعتمرين.
وشملت الجهود الصحية في عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- استقطاب الأطباء والأخصائيين من ذوي الخبرة والكفاءة للعمل في المملكة، إضافة إلى ابتعاث الأطباء المحليين إلى الدول المتقدمة طبيًا لاكتساب الخبرات والمعارف التي تسهم في تطوير الخدمات الصحية.
وفي عام 1370هـ (1951م) تحولت مصلحة الصحة العامة إلى وزارة الصحة وعيّن الأمير عبدالله الفيصل وزيرًا لها، مما أسهم في تقدم الرعاية الطبية أ كثر من ذي قبل، وزيادة عدد المستشفيات وتزويدها بالمعدات والأدوات الطبية الحديثة، والاستعانة بأفضل الأطباء من ذوي الخبرة.
التوطين والهجر
بدأت فكرة حركة التوطين من قِبل الملك عبدالعزيز الذي رأى أهمية توطين القبائل في المدن، والقيام بتعليمهم والاهتمام بهم، والحد من التنقل للبحث عن المراعي، وذلك بتوزيع الأراضي الزراعية على القبائل، لتكون سببًا في استقرارهم، وكانت أولى الهجر هي: هجرة الأرطاوية، التي أُنشئت عام 1330هـ (1912م) بأمر من الملك الذي وجّه ببناء هجر جديدة لتكون قريبة من مراعي القبائل ومواردهم، وليتلقوا فيها تعليمهم من علوم الدين وأحكام الشريعة الإسلامية؛ ليساهموا في بناء وطنهم.
وخلال حياته، استطاع الملك عبدالعزيز إنشاء ما يقارب مئتي هجرة، ونجح في توطين أ كثر من اثنتي عشرة قبيلة، فتحول أهلها من حياة الترحال والتنقل إلى حياة الاستقرار وارتباطهم بالأرض وتنمية روح الوطنية.
المواصلات
أدرك الملك عبدالعزيز -رحمه الله- أهمية المواصلات والاتصالات الحديثة في ربط مناطق المملكة المترامية الأطراف، وترسيخ الأمن، وتحسين أوضاع المعيشة. لذلك بادر إلى إدخال السيارات لاستخدامه الشخصي ولخدمة الجهات الرسمية في الدولة ونقل البضائع والمسافرين.
بدأت حكومته بتمهيد الطرق وتعبيدها وفق الإمكانات المادية والفنية المتاحة، وكان أول طريق مُعبّد في البلاد هو الطريق الذي يربط مكة المكرمة بجدة، ثم امتد لاحقًا من مكة إلى عرفات لتخفيف المشقة عن حجاج بيت الله الحرام. بعد ذلك، تم تعبيد الطريق بين جدة والمدينة المنورة.
كما شملت رؤية الملك ربط بقية مناطق المملكة بشبكة من الطرق، فطلب في عام 1358هـ (1939م) من المختصين دراسة إمكانية إنشاء خط للسيارات يمتد من جيزان إلى أبها ثم إلى نجران، وبدأ تحديد مساره في العام التالي 1359هـ (1940م).
في إطار جهود الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -رحمه الله- لتطوير وسائل النقل وربط مناطق المملكة، كان المسافرون بين الرياض والدمام يواجهون صعوبات كبيرة بسبب كثافة الرمال التي تعترض الطرق، مما يعرّضهم للمخاطر ويعيق أيضًا حركة نقل البضائع من ميناء الدمام إلى داخل البلاد.
ولمعالجة هذه التحديات، تقرر إنشاء خط سكة حديد يربط المدينتين، فتمت دراسة المشروع والشروع في تنفيذه، حتى جرى افتتاحه رسميًا عام 1371هـ (1952م)، لينطلق القطار بعدها في تسيير رحلاته حاملًا الركاب والبضائع المستوردة، ومعلنًا بداية مرحلة جديدة في تاريخ النقل بالمملكة.
واستكمالًا لجهود الملك عبدالعزيز -رحمه الله- في تطوير شبكة المواصلات، ومع اتساع رقعة البلاد، برزت الحاجة إلى الاهتمام بالمواصلات الجوية إلى جانب البرية، فاشترت الحكومة عام 1348هـ (1929م) أربع طائرات مدنية، ثم توالى شراء الطائرات حتى تضاعف عددها في فترة وجيزة. وفي عام 1354هـ (1935م) أُرسل عدد من الشباب السعوديين إلى إيطاليا لدراسة الطيران، وتزايدت لاحقًا أعداد المبتعثين إلى دول أخرى.
وفي تلك الفترة، أُنشئت «إدارة طائرات الخطوط الجوية السعودية» كإدارة تابعة لوزارة الدفاع، كما أُنشئ أول مطار في جدة، ثم تتابع إنشاء المطارات في الحوية، والرياض، والخرج، والظهران، ورأس مشعاب، والمدينة المنورة وغيرها من المدن الرئيسية.
وكما اهتم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بتطوير المواصلات البرية والجوية، أولى أيضًا المواصلات البحرية عناية خاصة، فعمل على تكوين أسطول نقل بحري، وتحسين الموانئ القائمة في غرب البلاد وشرقها، إضافة إلى إنشاء موانئ جديدة، كان في مقدمتها ميناء جدة على البحر الأحمر، وميناء الدمام على الخليج العربي.
وبعد ما حققته الحكومة من إنجازات في تطوير المواصلات برًّا وجوًّا وبحرًا، برزت جهودها أيضًا في مجال الاتصالات الحديثة، فقد انضمت المملكة إلى اتحاد البريد الدولي، وأبرمت اتفاقيات مع عدد من الدول لتأمين الاتصال معها هاتفيًّا وبرقيًّا وبريديًّا، وأنشأت شبكة هاتفية في المدن الكبرى، وعمّمت المراكز اللاسلكية في معظم مناطق المملكة. كما ابتعثت عددًا من الطلاب إلى الدول العربية وأوروبا لتعلّم الجوانب الفنية والإدارية المتعلقة بالاتصالات، وافتتحت مدارس داخل البلاد للتعليم والتدريب في هذا المجال. وقبل نهاية عهد الملك عبدالعزيز -رحمه الله- كانت المملكة قد قطعت شوطًا مهمًا نحو ما كانت تطمح إليه من تقدم.
خدمة الحرمين الشريفين
اهتم الملك عبدالعزيز -رحمه الله- بالحرمين الشريفين، المسجد الحرام والمسجد النبوي، منذ بداية إشرافه عليهما عام 1343هـ (1924م)، فلم تمضِ فترة طويلة حتى أعلن البدء في ترميماتهما؛ ففي عام 1344هـ (1925م) أمر بعمارة المسجد الحرام بترخيمه وإصلاحه داخليًّا وخارجيًّا على نفقته الخاصة، كما أجرى إصلاحات عامة، وفي عام 1345هـ (1926م) رصف طريق المسعى بحجر الصوان المربع وهدم الزوائد على جانبيه، حيث كانت توجد الدكاكين والمحلات التجارية، وفي عام 1346هـ (1927م) أُقيمت مظلات داخل المسجد الحرام، وأُنشئ أول مصنع مخصص لكسوة الكعبة المشرفة، مع تبليط المسعى بالحجر الصوان وإزالة الدكاكين المزاحمة له كافة.
وفي عام 1347هـ (1928م) وجَّه بإنارة المسجد الحرام كاملًا بالإضاءات الكهربائية وزيادة المصابيح إلى 1000 مصباح، ثم في عام 1349هـ (1930م) أمر بشراء ماكينة لتوليد الطاقة الكهربائية.
وفي عام 1354هـ (1935م) أُجريت إصلاحات وترميمات واسعة ومستمرة طوال فترة حكمه، شملت إنشاء أعمدة رخامية، وتجميل المسعى، وإزالة المقاهي الواقعة عند باب المسجد، وتجديد سقفه، وطلاء الواجهات المطلة على المسجد الحرام، وصنع أبواب جديدة وصبغها، كما أمر في عام 1366هـ (1947م)، بتركيب باب جديد للكعبة المشرفة على نفقته.
كما عُني بالمشاعر المقدسة فأصلحها ورممها، وأنشأ عددًا من الأسبلة لشرب المياه في أماكن متعددة بين جدة ومكة المكرمة، وداخل المسجد الحرام وفي المدينة المنورة لخدمة الحجاج.
كما عمل إصلاحات وترميمات مختلفة في المسجد النبوي، منها إصلاح الأروقة المحيطة بالصحن وإصلاح الأعمدة، وذلك من عام 1348 إلى 1354ه، كما أعلن الملك عبدالعزيز في عام 1368هـ (1949م) عن التوسعة السعودية الأولى للمسجد النبوي الشريف داخل المسجد النبوي وخارجه، فبدئ بهدم المباني المحيطة بالمسجد النبوي والتي بلغت تكاليفها أربعين مليون ريال.