إعداد - طارق العبودي:
تحتفل بلادنا الغالية بالذكرى الـ96 لليوم الوطني المجيد، حيث تحل الذكرى العزيزة والوطن يمضي بخطوات واثقة نحو نهضة شاملة، ينعم فيها المواطن والمقيم بالأمن والاستقرار، وتتجسد فيها طموحات رؤية المملكة 2030 وإنجازاتها في مختلف المجالات.
وتأتي هذه المناسبة الغالية، والمملكة تواصل حضورها المتنامي على الساحة العالمية، مستندة إلى قيادة حكيمة جعلت بناء الإنسان وتطوير الوطن أولوية، ورسخت مكانة المملكة بين دول العالم. وفي هذا المشهد الطموح، حظي القطاع الرياضي بدعم كبير ومتواصل من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله-، انطلاقا من الإيمان بأهمية الرياضة ودورها في بناء مجتمع صحي ونشط، واكتشاف المواهب وصناعة الأبطال، وتعزيز حضور المملكة القاري والدولي.
وقد أثمر هذا الدعم عن تحولات كبيرة في المنظومة الرياضية، شملت تطوير الأندية، وتعزيز الحوكمة المالية والإدارية، وفتح المجال أمام الاستثمار، بما أسهم في زيادة موارد الأندية ورفع قدرتها على التطور والمنافسة، وأصبحت نتائجه واقعا ملموسا نشهده اليوم. وبهذه المناسبة الوطنية الغالية، نرفع أسمى عبارات التهاني والتبريكات إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، وإلى أبناء الوطن كافة، سائلين الله -عز وجل- أن يديم على بلادنا نعمة الأمن والأمان، وأن يواصل وطننا مسيرته نحو المزيد من التقدم والازدهار.
تاريخ الرياضة السعودية
تعود بدايات إنشاء المؤسسات الرسمية الراعية للرياضة في المملكة إلى ما قبل 7 عقود، وتحديدا عام 1372هـ الموافق 1952م حين أنشئت أول إدارة مسؤولة عن الرياضة تابعة لوزارة الداخلية، لتشهد بعدها تحولات كبرى سواء على المستوى الإداري المؤسساتي أو النقلة النوعية في الجهات ذات العلاقة بها من بني تحتية وكوادر بشرية وصولا إلى تمثيل المملكة في المنافسات الخليجية والعربية والآسيوية والدولية.
بداية نشأة الرياضة السعودية كانت أهلية في طابعها، وهو ما ينطبق تقريبا على كل البلاد الأخرى غير أنه ومع تطور مرافق الدولة السعودية، وتزايد الحاجة إلى التنظيمات الحكومية لبعض الأنشطة في البلاد، فقد كان من الضروري أن تكون هناك جهة حكومية تشرف على الأنشطة الرياضية وتنظمها تجاوبا مع التطور الأهلي المتمثل في ازدياد اهتمام السعوديين في الرياضة خاصة وما نشأ عن ذلك من بعض الإشكاليات والخلافات، وتماشيا مع حركة التطور العامة للبلاد ومواجهة إمكانات المشاركة الخارجية في المستقبل والتمهيد لها.
وعاما بعد عام بدأت الدولة في إنشاء المرافق الرياضية والملاعب والادارات وزاد عدد الاتحادات الرياضية.
وبلغ اهتمام الحكومة في الرياضة ذروته في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- بدعمهما لكل خطوات التطوير غير المسبوقة التي ترتكز على المبادرات الرياضية والشبابية لتحسين جودة الحياة لدى كافة شرائح المجتمع من خلال زيادة مستويات النشاط بين السكان، وتحفيز الأفراد على العيش بأسلوب حياة أكثر صحة، وتعزيز مبادئ وقيم الرياضة، ورفع مستوى الأداء بطريقة تسهم في تحسين وتنمية البيئة الرياضية في المملكة.
كل هذا بخلاف الدعم المادي الكبير الذي بدأ يزداد منذ عام 2015م حينما أمر خادم الحرمين الشريفين بدعم الأندية الرياضية بملايين الريالات لكل ناد من الأندية المسجلة رسميا. ثم زاد الدعم أضعافا وأضعافا وأصبحنا نسمع كل يوم خبرا جديدا يتعلق بتطوير الرياضة وتطوير بنيتها التحتية وتطوير منشآتها، بل وأيضا تطوير وتأهيل الكوادر العاملة في الشأن الرياضي.
تحول قطاع الرياضة
لم تعد الرياضة في المملكة العربية السعودية مجرد نشاط يمارس في الملاعب أو منافسات يتابعها الجمهور في المدرجات والشاشات.. ولم تعد الإنجازات الرياضية تقاس فقط بعدد البطولات والميداليات.
ففي المملكة التي تحتفي بيومها الوطني السادس والتسعين، أصبحت الرياضة واحدة من أبرز الوجوه التي تعكس التحول الكبير الذي تشهده البلاد، وقطاعا حاضرا بقوة في مسيرة التنمية، وعنصرا مؤثرا في جودة الحياة والاقتصاد والسياحة والاستثمار، وأداة من أدوات الحضور الدولي للمملكة.
وخلال الأعوام الماضية، انتقلت الرياضة السعودية من مرحلة بناء الأساس وتوسيع قاعدة الممارسة إلى مرحلة أكثر اتساعا وطموحا؛ مرحلة تقوم على صناعة قطاع رياضي متكامل، واكتشاف المواهب، وتطوير المنشآت، وتمكين المرأة، واستقطاب الاستثمارات، واستضافة أكبر البطولات والأحداث العالمية، وصولا إلى الهدف الأكبر: أن تكون المملكة مركزا عالميا للرياضة.
وهذه النقلة لم تأت مصادفة، بل جاءت امتدادا لدعم القيادة واهتمامها في الرياضة، ثم جاءت رؤية المملكة 2030 لتضع هذا القطاع ضمن منظومة التحول الوطني، وتمنحه أهدافا واضحة وبرامج ومشروعات واستثمارات تتجاوز المفهوم التقليدي للرياضة.
وتؤكد مؤشرات رؤية 2030 حجم التحول؛ إذ ارتفعت نسبة البالغين الذين يمارسون النشاط البدني لأكثر من 150 دقيقة أسبوعيا إلى 59.1 %، كما ارتفع عدد الأندية التي تقدم أكثر من رياضة من 9 أندية إلى 133 ناديا في 2025، في مؤشر يعكس اتساع قاعدة الممارسة وتنوعها.
وكان الدعم الكبير الذي حظي به القطاع من القيادة، ثم مستهدفات رؤية المملكة 2030، وراء هذه النقلة التي أعادت رسم المشهد الرياضي السعودي داخلياً وخارجياً.
الرياضة أسلوب حياة
أصبحت الرياضة في المملكة جزءا أصيلا من جودة الحياة، وأسلوبا يوميا يعزز الصحة والنشاط والحيوية، ولم تعد ممارسة الرياضة تقتصر على المنافسات والبطولات، بل تحولت إلى ثقافة مجتمعية راسخة تستهدف مختلف فئات المجتمع.
ومع اتساع قاعدة الممارسين، تنامت برامج اكتشاف المواهب وصقل القدرات، لتصبح الرياضة بوابة لاكتشاف الأبطال وصناعة النجوم، ورافدا مهما لمستقبل الرياضة السعودية على المستويين المحلي والعالمي.
وفي ظل هذا التحول الشامل، باتت الرياضة إحدى الأدوات المهمة لبناء مجتمع أكثر نشاطا وحيوية، وترسيخ ثقافة الحركة والممارسة الرياضية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 ويعزز حضور الرياضة في حياة الفرد والمجتمع.
نقطة التحول
مع رؤية 2030 دخل القطاع الرياضي مرحلة مختلفة؛ فالأهداف لم تعد تقتصر على تحقيق البطولات، بل امتدت إلى بناء صناعة رياضية مستدامة، وتطوير الحوكمة، وزيادة الاستثمار، ورفع كفاءة الأندية والمنشآت، وصناعة فرص جديدة للشباب.
وأصبح القطاع الرياضي جزءا من منظومة اقتصادية واجتماعية أوسع، تتكامل فيها جهود الدولة مع القطاع الخاص.
بنية تحتية ومنشآت تواكب الطموح
واكب التطور الرياضي توسع كبير في المنشآت والمرافق، وتطوير الملاعب ومراكز التدريب والأكاديميات والمدن الرياضية.
وأصبحت المنشأة الرياضية الحديثة منظومة متكاملة تخدم اللاعب والجمهور والفعاليات، وتواكب المعايير العالمية، فيما تتواصل فرص الاستثمار في تشغيل وتطوير المنشآت الرياضية.
فلا يمكن صناعة رياضة عالمية من دون بنية تحتية عالمية.
ولهذا شهدت المملكة توسعا كبيرا في تطوير الملاعب والمنشآت ومراكز التدريب والأكاديميات والمدن الرياضية، لتوفير بيئة متكاملة للرياضي والجمهور والفعاليات.
وتزامن ذلك مع فتح المجال أمام المستثمرين لتشغيل وتطوير عدد من المنشآت الرياضية، بما يعزز كفاءتها واستدامتها ويمنح القطاع الخاص دورا أكبر في صناعة الرياضة.
الرياضة تخطت الملاعب وأصبحت وسيلة للتواصل
ولأنها تحظى بدعم لامثيل له فقد أصبحت الرياضة السعودية في الأعوام الأخيرة واحدة من أكثر الأدوات حضورا في تعريف العالم بالمملكة.
فالجمهور الذي يتابع سباقا أو مباراة أو بطولة عالمية في السعودية لا يتابع المنافسة الرياضية فقط؛ بل يتعرف في الوقت نفسه على المدن السعودية، وعلى طبيعة المجتمع، وعلى قدرات التنظيم والاستضافة.
وهنا تتجاوز الرياضة حدود الملعب لتصبح وسيلة للتواصل بين الشعوب، ومنصة لتقديم المملكة بصورة جديدة للعالم.
وهذا أحد الأسباب التي جعلت الاستضافات الرياضية الكبرى جزءا مهما من إستراتيجية المملكة المستقبلية.
الشباب.. ثروة الوطن
الشباب هم قلب المشروع الرياضي السعودي، فالملاعب والمنشآت والبطولات والاستثمارات كلها لا تكتمل من دون بناء جيل رياضي جديد. ولهذا اتجهت البرامج الرياضية إلى اكتشاف المواهب مبكرا، وتطوير مهاراتها، وإتاحة الفرصة أمامها للمنافسة محلياً ودولياً.
كما أن توسيع قاعدة ممارسة الرياضة بين أفراد المجتمع يخلق قاعدة أكبر لاكتشاف المواهب في المستقبل، لتصبح المعادلة واضحة: ممارسة أوسع.. مواهب أكثر.. منافسة أقوى.. أبطال أكثر.
المرأة.. حضور فاعل
كان تمكين المرأة من أبرز ملامح التحول الرياضي في المملكة، فقد توسعت مشاركتها في ممارسة الرياضة والمنتخبات والأندية والاتحادات والبطولات، وأصبحت الرياضة النسائية جزءا أساسيا من المنظومة الرياضية الوطنية.
وأثمر هذا التوسع عن ظهور مواهب سعودية في ألعاب متعددة، وحضور متزايد للمرأة في المجالات الفنية والإدارية والتحكيمية.
وقد شهدت الأعوام الأخيرة تطورا تاريخيا في مشاركة المرأة في الرياضة السعودية، من أبرزها:
* تأسيس المنتخب السعودي النسائي لكرة القدم.
* تنظيم دوري نسائي رسمي في كرة القدم.
* تنظيم مسابقات نسائية في الألعاب المختلفة.
* مشاركة لاعبات سعوديات في الألعاب الأولمبية والآسيوية.
* دعم المرأة في تولي المناصب الإدارية الرياضية.
وتشير البيانات الرسمية إلى أن مشاركة المرأة السعودية في الرياضة ارتفعت بأكثر من 150 % منذ إطلاق رؤية 2030، مع تسجيل أكثر من 330 ألف فتاة في مختلف الرياضات، إلى جانب نمو عدد الفرق والمنتخبات النسائية والمدربات والحكمات.
منظومة تتجاوز كرة القدم
رغم الشعبية الكبيرة لكرة القدم، إلا أن الرياضة السعودية اليوم أكثر تنوعا.
فقد ارتفع عدد الاتحادات الرياضية من 32 اتحادا عام 2015 إلى 98 اتحادا، وتوسعت برامج اكتشاف المواهب وتطوير الرياضيين، وفي مقدمتها أكاديمية مهد والألعاب السعودية وبرامج الرياضيين النخبة، وأصبحت رياضات السيارات والفروسية والجولف والتنس والملاكمة والرياضات الإلكترونية وغيرها جزءا من المشهد الرياضي الجديد.
بلغة الاستثمار.. الرياضة صناعة
بات الاستثمار أحد أهم محركات التطوير الرياضي، من خلال التخصيص وتطوير الأندية والرعايات والفعاليات والمنشآت.
ويهدف مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية إلى رفع كفاءة الأندية وتعزيز استدامتها المالية وفتح المجال أمام القطاع الخاص، فيما تعكس المؤتمرات والمنتديات الاستثمارية المتخصصة اتساع الفرص في القطاع الرياضي.
وبذلك تحولت الرياضة من مجال يعتمد على الإنفاق إلى قطاع يملك فرصا اقتصادية واستثمارية واسعة.
استضافات دولية كبرى
خلال أعوام قليلة، أصبحت المملكة وجهة لأبرز الأحداث الرياضية العالمية في مختلف الألعاب والأنشطة الرياضية، من كرة القدم والألعاب الجماعية المنوعة، والفورمولا والملاكمة والجولف والتنس والفروسية وغيرها.
ولم تعد الاستضافة هدفا رياضيا فقط، بل أصبحت وسيلة للتعريف بالمملكة، وتنشيط السياحة، واستقطاب الجماهير، وتعزيز حضورها الدولي.
2034.. موعد مع العالم
وجاءت استضافة المملكة كأس العالم 2034 لتتوج مسارا متسارعا من التطوير والاستثمار والاستضافة.
وستقام البطولة في خمس مدن مضيفة، بما يعكس حجم البنية التحتية والاستعدادات التي تشهدها المملكة.
لكن المونديال لا يمثل نهاية المسيرة؛ بل محطة ضمن مشروع طويل الأمد، ستبقى آثاره في المنشآت والبنية التحتية والخبرات الرياضية والسياحية والاقتصادية.
مسيرة وطن
في اليوم الوطني الـ96، تبدو قصة الرياضة السعودية جزءا من قصة التحول الوطني الشامل.
فمن بناء المنشآت وتوسيع قاعدة الممارسة، إلى تمكين المرأة واكتشاف المواهب واستقطاب النجوم والاستثمارات واستضافة العالم، أصبحت الرياضة قطاعا متكاملا يعكس الطموح السعودي.
واليوم، لم تعد الرياضة السعودية تبحث عن حضور عالمي، بل أصبحت جزءا من المشهد الرياضي العالمي، وتواصل طريقها نحو موقع أكثر تأثيرا.
إنها مسيرة وطن.. بدأت ببناء الأساس، وتحولت إلى نهضة، واليوم تتجه بثقة نحو المستقبل.
رياضة الأمس.. وطموح الغد
في اليوم الوطني الـ96، لا تحتفي المملكة بما تحقق في الرياضة باعتباره نهاية الطريق، بل تنظر إليه بوصفه مرحلة في مسيرة أطول. فمن ملاعب الأمس إلى المدن الرياضية الحديثة، ومن المنافسات المحلية إلى استضافة أكبر البطولات العالمية، ومن المشجع الذي يتابع المباراة إلى المواطن الذي يمارس الرياضة يوميا، تغيرت الصورة واتسعت الطموحات.
وإذا كانت الرياضة السعودية قد قطعت خلال الأعوام الماضية خطوات واسعة، فإن الأهم أن هذه الخطوات جاءت ضمن مشروع وطني أوسع، جعل الإنسان السعودي محور التنمية، وجعل الطموح عنواناً للمستقبل.
وهكذا تصبح الرياضة في اليوم الوطني أكثر من انتصار أو بطولة، إنها قصة وطن يواصل بناء قدراته، ويستثمر في أبنائه وبناته، ويفتح أبوابه للعالم، ويؤكد أن الطموح السعودي لا سقف له.
إنها رياضة بدأت من الملاعب.. واتسعت لتصبح جزءاً من قصة وطن.
** **
X:tariq_aloboudi