في كل عام، نستعيد في الثالث والعشرين من سبتمبر ذكرى توحيد هذه البلاد المباركة، ذلك الحدث الذي أعلن ميلاد المملكة العربية السعودية بصورتها الحديثة عام 1932، وهي محطة تاريخية مفصلية أرست أسس الدولة السعودية الحديثة، ولا يقتصر هذا اليوم على استحضار ذكرى التوحيد، بل يجسد مسيرة وطنية امتدت عبر عقود من البناء والتنمية والتحول. التوحيد في المملكة العربية السعودية هو ليس حدثا تاريخيا كبيرا فقط، بل إنه إحدى أعظم الحقائق التي صنعت شكل الحاضر، بأن تتحول الجغرافيا الواسعة، بتنوعها الاجتماعي والثقافي والمناطقي، إلى كيان واحد، وهذا يعني أن فكرة الوطن استطاعت أن تكون أكبر من أي تفاصيل أخرى.المملكة العربية السعودية التي نراها اليوم ليست وليدة لحظة عابرة، بل هي حصيلة مسيرة طويلة من البناء والصبر والعمل والتحولات المتتابعة، فمن أرضٍ بدت يوما ًللآخرين مجرد امتداد شاسع للصحراء، إلى دولة تقف اليوم بثقلها العالمي في الاقتصاد والسياسة والثقافة والعلم والتقنية، تبدو المسافة التي قطعتها المملكة العربية السعودية بين الأمس واليوم أكبر من أن تختزلها الأرقام أو تختصرها المؤشرات. المؤسس قد وحدّ الأرض وجاء من بعده أبناؤه الملوك (رحمهم الله) فواصلوا مسيرة البناء والتأسيس والتنمية والنهضة، كلٌّ في مرحلته، وصولاً الى عهد خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين حفظهما الله، والتي غدت المملكة العربية السعودية دولةً راسخةً وتقدمت بنيتها السياسية والاقتصادية والعمرانية، حتى أصبحت السعودية اليوم واحدة من أكثر الدول المؤثرة إقليمياً ودولياً. لم تكن مسيرتهم مجرد امتداد زمني لحكمٍ واحد، بل كانت حلقات متتابعة في مشروع وطني كبير، انتقلت فيه المملكة العربية السعودية من مرحلة التأسيس إلى مراحل التنمية والنهضة ووصولا إلى الحضور والتأثير العالمي.
واليوم وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، تشهد المملكة مرحلةً متسارعة من التحول والطموح، من خلال رؤية السعودية 2030 التي أعادت صياغة كثير من ملامح المستقبل، وفتحت آفاقاً واسعة أمام الاقتصاد والثقافة والسياحة والتقنية وتمكين الإنسان السعودي.
إن قيمة اليوم الوطني لا تكمن في الاحتفال بالماضي وحده، وإنما في استحضار ما يحمله الماضي من دروس، وتحويلها إلى طاقةٍ تدفع نحو المستقبل، فالأوطان لا تُبنى بالذكريات وحدها، وإنما بالعمل، والمسؤولية، والطموح، والقدرة على تحويل الأحلام إلى واقع.
وفي كل عام، يثبت اليوم الوطني أن الوطن ليس مجرد أرضٍ نعيش عليها، بل هو ذاكرةٌ مشتركة، وهويةٌ راسخة، ومستقبلٌ نصنعه معاً ومن هنا يبقى الاحتفاء باليوم الوطني احتفاءً بقصة وطنٍ بدأ بالتوحيد، واستمر بالبناء، ويمضي اليوم بثقة نحو آفاقٍ أكثر رحابة. كل عام والوطن أكثر أمناً وازدهاراً، وكل عام والمملكة العربية السعودية تمضي نحو مستقبلٍ يليق بمكانتها وطموح أبنائها.
** **
أ. د. بدر الشمري - أستاذ الهندسة الكهربائية - جامعة حائل