لا يخلو وطن من الاحتفال بالمناسبات الوطنية، وهي تختلف من مكان لآخر، وفق ما مر به الوطن من أحداث، وما أجمل الحديث عندما يكون عن مناسبة خالدة ومجيدة، مثل: الحديث عن اليوم الوطني السعودي, فبعد أن اكتمل توحيد أجزاء المملكة العربية السعودية على يد الملك عبدالعزيز صار الوطن النغم الذي عزف عليه الشعراء إيقاع قصائدهم، وكان نغم شمم وكبرياء، وتاريخ مجيد، ومقدسات طاهرة.
وجاءت مظاهر احتفال شعراء تبوك بالمناسبات الوطنية على النحو التالي:
1 - اليوم الوطني
يتمثل اليوم الوطني بالنسبة لشعراء منطقة تبوك في ذكرهم لمآثر هذا الوطن وفضله على أبنائه وعلى الأمة العربية والإسلامية، وأن يعم الخير والأمان، والسلام جميع الشعوب.
فالشاعر صالح العمري يعبر عن سعادته باليوم الوطني، بأن قَدّم نفسه فداء للوطن، مُعتزاً به وبما يقدمه لأبنائه من عطاء منقطع النظير يقول:
أفنى بلا وطني ويفنى مربعي
فمكانةُ الأوطان بين الأضلعِ
نحن الفِداء لموطنٍ نحيا به
فيه انبثاقي والحياةُ ومصرعي
وهنا يُشبّه الوطن بالحياة، ويقارنه بالأوطان الأخرى، فهو ركن من أركان الحياة، والسعادة، ويشبه خيراته التي عمّتْ جميع البلاد بضوء الشمس الذي يشرق ويَعمُّ المكان ضوءاً، يقول أيضاً من قصيدة أخرى:
رأيتك شامخاً كالمعجزاتِ
أيا وطناً نحبك كالحياةِ
بمنزلةٍ على الأوطان تسمو
كمنزلة السجودِ من الصلاةِ
فخيرُكَ في فجاجِ الأرض يسري
كضوء الشمس في كلّ الجهاتِ
لقد شبهه بأشياء مهمة وذات قيمة عالية لدى الإنسان، معبّراً عن حبه العظيم وأثره البليغ في نفسه.
وتتجلى عاطفة الشاعر علي هوساوي تجاه وطنه على أنه عبادة في القلب وأرض السلام كما في قوله:
وطني وأنت الحبُ فيك عبادةٌ
في القلب مشرعةٌ لا تتمزقُ
وطني وفي يدك السلامُ أمانة
فيك السلامُ ومن دهاك الأحمقُ
وطني ونبضُك شعلة وضاءة
في العالمين وأين سرت موفقُ
ويمتد فضل هذا الوطن إلى أقطار المسلمين في شتى بقاع الأرض, فخيره يطال لكل الناس دون مِنَّة يقول محمد القرني:
الخير للدنيا جميعاً من هنا
من أرضنا خير الشعوب يوزعُ
لو أبْصرتْ عيناك طيب مقالنا
ولنا أياد جودها لا يقطعُ
نمضي بأحمالِ الطّعام هدية
للمسلمين بغير مَنّ تتبعُ
ونقدّم الدّعم الذي آياته
ظهرت على كل الدنا تتربعُ
إن الاعتزاز والافتخار بالوطن وصل درجة التماهي فيه، ولا سيما في توجهاته نحو العروبة والدور السعودي في وحدة العرب، يقول صالح العمري:
سيلُ العروبة من واديك متصل
قد صبّ في كل أرض بعضَ ما فينا
لقد انعكست هذه المناسبة الوطنية على مشاعر الشعراء وعباراتهم ووصفهم لوطنهم, فالوطن لدى نايف الجهني: معطاء تزينه البروق، وحنطة الغيم الملوّن، هذا الوطن يخوض الشعراء في وصفه معارك لا ينتصر فيها إلا من أبدع في تشكيل صورة الوطن، فكما أن للمعارك فرساناً يحققون النصر وهزيمة العدو, فإن وصف الوطن يحتاج أن يكون الشاعر فارساً ليصل إلى أجمل وصف.
وطني المزين بالبروقِ وحنطةِ الغيم الملّونِ
في بياضِ العشقِ.. في دفءِ الهواء..
في الركض يا وطني ذكرتك..
وسكنتْ أنتْ
في ماءِ ذاكرتي رحيقاً يستشفُ الوردَ
فتهافتَ الشعراءُ فيك معاركاً
فرسانُها.. صورٌ تشكّل منك
وبهذه المناسبة يتغنّى مسلم فريج العطوي بوطنه مفتخراً عندما يجيب السؤال من أين أنت؟
وأنا السعوديُّ الفخورُ بموطني
فيها مآلُ أرومتي والمُنتمَى
تسمُو على هامِ الثُريّا هامتي
فخراً إذا ما قيل أين ومِنْ ومَا
والشاعر سليمان المطلق يلبي نداء وطنه مفتخراً بالدفاع عنه، أو الموت في الدفاع عن مليكه يقول:
لَبَّيكَ يا قائدٌ لبَّيكَ يا وطنٌ
لبَّيكَ يَعْلُو بها شعْبٌ وينْسَعِدُ
والشاعرة فاطمة القرني تتغنى بالوطن بذكر مدنه الكبيرة، وذكر ما تتميز به هذه المدن من نخيل الأحساء وورود الشمال، تقول:
توسمه في كل خبت ونبت
نفي الربى والمزار الأغنْ
نخيلُ الحسا طيب عرف الحجاز
صبا نجد ما هم وجداً وعنْ
ورود الشّمال حنين الجنوب
الطّروب الخلوب الغوي الشجنْ
تغياه مثلي بكل الوجُوه
النّواحي فكل نديمي وطنْ
وقد يكون تركيز بعض الشعراء على المنطقة أو المدينة التي ينتمي إليها الشاعر أحياناً، من حيث إن الجزء يدل على الكل، فها هو الشاعر علي باراجي يتغنى في مدينة تبوك مبيناً أنها جزء من هذا الوطن الكبير بيد أن الحديث عنها يمتد للحديث عن الوطن وجمال هوائها يشبه عِزّته يقول:
فؤادي يضوعُ بعبق الندى
ورمشي بلادٌ فيها تبوكْ
عزيزٌ هواك كهذا الوطنْ
كخفقة قلبٍ تعطي الحياة
وتمسح منه ظلال الشجنْ
هوايا تبوكْ.. تبوكُ الهوى
كما أن محمد فرج العطوي تناول مميزات مدينة تبوك، ثم تحدث عن الوطن مفتخراً بماضيه التليد، وحاضره الرائع، يقول:
هذي تبوكُ تفرَّدتْ وتميزتْ
بالورد في ريضانها والكادي
هذي البلاد غنية بتليدها
وجديدها المتدفق المتهادي
أرضُ البلاغة والفصاحة والنُهى
وحديقةُ الشعراء والنُّقادِ
وقد جعل مسلم العطوي من مدينة تبوك مدخلاً شعرياً لمدح الوطن بأكمله يقول:
تبوك أنشودةٌ على الشِّفاهِ سرَتْ
معزوفَةً من مَقَامِ الخَيْرِ تشْدُونَا
اليومَ ترفُلُ في العَلياءِ شامِخةً
رَأيَ العَيانِ فلا تَحتَاجُ تخْمينَا
تَحْيا السّعُوديّةُ الأسْنى مكانتُها
كُلُّ الفخارِ تَسامى في معَانينا
من الشَّمال إلى أقصى الجنوبِ ومن
أعلى السُّراة إلى شُطْآن دَارِينا
وفي حديثه عن اليوم الوطني يفتخر سليمان المطلق بخدمته لوطنه، فهو: عسكري يقوم بعمله على أكمل وجه منتظم بعمله ساع إلى تتبع الخائن والمجرم والسارق، لتقديمهم للعدالة، وكل ذلك يمثل شرف خدمة الوطن والحفاظ على مقدراته، يقول:
ولقد علمتم أنني في موطني
ما كنت إلا عسكرياً منتظمْ
دوريّة أو نوبة هي مهنتي
حيناً أسلمها وحيناً استلمْ
وأسجّل الأحداث وقت وقوعها
بمحاضر بالعدل فيما التزمْ
شرفٌ يشرفني لخدمة أمتي
قد نلته بالدأبَ من حامي الحرمْ
وتكشف دراسة اليوم الوطني في شعر شعراء منطقة تبوك عن حضورٍ وطنيٍّ يتجاوز الاحتفاء بالمناسبة إلى تمجيد الوطن واستحضار خصائصه ومميزاته، وإبراز مكانته في وجدان الشاعر، وقد ركز الشعراء على منجزاته ومقوماته الحضارية والتاريخية، معبرين عن مشاعر الفخر والاعتزاز به، وما يمثله من قيمة راسخة في الوجدان، كما تجلّى في قصائدهم الولاء للملك، والإشادة بالقيادة وما قدمته من جهود في بناء الوطن وتعزيز أمنه ونهضته، وبذلك أسهمت قصائد اليوم الوطني في تشكيل خطاب شعري يجمع بين الفخر بالوطن والوفاء للقيادة، ويعكس عمق العلاقة بين الشاعر ووطنه.
** **
- نافع ضميان العنزي