المملكة تحتفل بيومها الوطني الـ96 لتؤكد للعالم أجمع أن القادة العظام لا يرحلون، بل يخلدون في تفاصيل الأوطان وملامح الشعوب. الملك الموحِّد عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- ليس مجرد صفحة في تاريخنا، بل هو النبض الذي يحيي حاضرنا، والنهج الثابت والقيم الراسخة التي قامت عليها أركان هذه الأرض الطاهرة التي تظللنا بظلها الوارف اليوم. فلم تكن حكاية هذا الوطن مجرد نقلة حضارية واقتصادية أبهرت العالم، بل كانت -وما زالت- تأسيساً لمشروع إنساني كوني عظيم، تحول على أرض الواقع إلى ملاذ آمن، يتجلى في أبهى صوره خلال العهود المستقرة، ويزداد بريقاً ووضوحاً وثباتاً عندما تشتد الأزمات وتتكالب التحديات، يسير في ذلك كله تحت ظل قيادة حكيمة مباركة، تقتفي بأمانة ووعي خطى الوالد الموحِّد.
إن وطننا هو أرض السخاء الذي لا ينضب، والرخاء الذي يعم الجميع، وهو في الوقت ذاته أرض الشدة والثبات، والوقفة التي لا تهتز. لا تتبدل مواقفه السياسية أو الإنسانية بتبدل الظروف ومصالح العابرين، بل تزداد تجذراً ورسوخاً كلما اشتدت المحن وعصفت بالمنطقة الرياح. هو مملكة عظيم بأفعاله قبل أقواله، حاضر دائماً في قلب الحدث كصديق وفيّ، وسند قوي للقريب والبعيد. يقف بكل ثقله مع القوي لاسترداد الحق، ومع الضعيف لرفع الظلم، يدافع عن قيم العدالة والمبادئ المشتركة، وتوازن بروية مدهشة بين الحزم الصارم والحكمة، حتى في أشد لحظات الخصومة والاستقطاب الدولي التي يتلون فيها موقف الآخرين ويباع ويشترى.
لقد رسمت المملكة نموذجاً فريداً واستثنائياً في إدارة القوة؛ فلم يكن ردها يوماً بالصراخ أو الصوت العالي، بل بالفعل الهادئ والقرار الواثق، والتحرك الصامت الذي يصنع الفارق على الأرض. وفي زمن علت فيه نبرات التصعيد، واختلطت فيه الخطابات الشعبوية، اختار وطني أن يتحدث بلغة الرقي الدبلوماسي، وبأخلاق الفرسان، ليثبت للعالم كله أن القوة الحقيقية لا تكمن في الاندفاع وردة الفعل العشوائية، بل في ضبط النفس، وإدارة الأزمات بعين الصقر التي ترى المآلات بعيدة المدى.
إن قوة هذا الوطن العظيم ليست ظرفاً طارئاً أو حدثاً عابراً، بل هي قصة مجد تتوارثها الأجيال بقدسية وفخر، قصة بدأت برؤية ملهمة من الملك عبد العزيز، وتستمر اليوم ببهائها وعنفوانها في هذا العهد الزاهر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وعضده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظهما الله-. إننا نرى في قيادتنا اليوم روح الوالد الموحِّد؛ نراها في حكمة الملك سلمان الأبوية، وفي الرؤية الطموحة والنظرة الثاقبة لسمو ولي العهد، التي توازن بإعجاز بين صون المكتسبات التاريخية وبناء مستقبلاً واعداً للأجيال القادمة عبر «رؤية المملكة 2030».
هنا، فوق هذه الرمال الطاهرة وفي أحضان هذه الجبال الشامخة، لا نذكر الملك عبدالعزيز كذكرى عابرة في يوم وطني، بل نلمحه في كل منجز وطني، وفي كل ناطحة سحاب تطاول السماء، وفي كل قيمة إنسانية نعيشها في تفاصيل يومنا. عبدالعزيز لم يغب؛ بل هو حاضر فينا، مستقر في وجدان قيادتنا، وفي قلب وطن لا يزال يكتب فصول المجد بثبات لا يلين، ليؤكد للكون بأسره أن من زرع قيم التوحيد، وحفظ الأمانة، حصد نعم الأمن والأمان والريادة.
دام عزك يا وطن الأمجاد، وكل عام والمملكة العربية السعودية بشعبها وقيادتها بألف خير في يومها الوطني الـ96.
** **
- زابن بن بادي بن قويد