مع رؤية 2030، أصبحت الموهبة السعودية قيمة ثقافية واقتصادية تسهم في صناعة المستقبل، بما تحقق في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان -حفظهما الله- من نهضة جعلت الثقافة والفن والإبداع رافدًا من روافد التنمية الوطنية.
فحين تحوّلت صالة سينما مُغلقة منذ عقود إلى قاعة مُكتظة بالجمهور، لم يكن ذلك مجرد استعادة لعادة اجتماعية، بل كان إعلاناً عن ميلاد صناعة كاملة تنمو بسرعة يصعب تجاهلها. ففي عام 2025 وحده، سجّل شباك التذاكر السعودي إيرادات إجمالية بلغت 920.8 مليون ريال من بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر عرض 538 فيلماً في 65 داراً موزعة على 20 مدينة تضم 635 شاشة عرض.
أرقام لم تكن لتُتخيّل قبل أقل من عقد، حين كانت دور السينما غائبة تماماً عن المشهد السعودي، لكن الأهم من حجم الإيرادات هو من يصنعها. فالأفلام السعودية، رغم أنها لم تتجاوز 2 % من إجمالي الأفلام المعروضة خلال العام، استحوذت على أكثر من 13 % من إجمالي الإيرادات، محققة 122.6 مليون ريال من بيع 2.8 مليون تذكرة، بعد أن كانت حصتها لا تتجاوز 7 % في العام السابق. هذا الفارق بين حجم الإنتاج وحجم الأثر يكشف حقيقة واحدة: أن الجمهور المحلي بدأ يثق بصانعي المحتوى السعوديين، وأن الاستثمار في الكفاءة أهم من الاستثمار في الكم.
هذا النمو لم يأتِ من فراغ، بل هو امتداد مباشر لركيزة «مجتمع حيوي» في رؤية 2030، التي جعلت من الترفيه والفنون أحد أعمدة جودة الحياة، وترجمته وزارة الثقافة عبر حوافز نقدية للإنتاج السينمائي تصل إلى 60 %، وهو ما شجّع عشرات المشاريع السينمائية المشتركة على اختيار المملكة موقعاً للتصوير والإنتاج، فتحوّلت السعودية من سوق استهلاكية للمحتوى إلى بيئة جاذبة لإنتاجه، فالأثر لا يتوقف عند الشاشة، بل يمتد إلى سلسلة كاملة من الوظائف: كتّاب سيناريو، ومخرجون، وفنيّو إضاءة وصوت، وشركات توزيع، ومساحات تصوير، وهي كلها حلقات تُنعش الاقتصاد المحلي بفرص عمل مباشرة وغير مباشرة، وتدعم شريحة الشباب التي تمثل عماد التحول الثقافي في البلاد.
في يومها الوطني السادس والتسعين، لا تحتفل السعودية فقط بذاكرة تأسيسها، بل تحتفل أيضاً بقدرتها على أن تروي قصتها بلسانها هي، عبر شاشة سينما باتت أداة اقتصادية وثقافية في آن واحد، فوفّق الله خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمير محمّد بن سلمان -حفظهم الله-، ومن رفع صورة وطن يعرف كيف يحوّل الفن إلى قيمة مُضافة، لا إلى ترف عابر.
** **
- عبدالرحمن الدريويش